(ملخّص خطاب إدوارد سنودون إلى مؤتمر البتكوين)
في خضمّ التحوّلات التكنولوجيّة المتسارعة الّتي يشهدها عالمنا اليوم، نجد أنفسنا على مفترق طرق تاريخيّ. فخلال الأشهر القليلة الماضية، شهدنا تغيّرات جذريّة في علاقتنا بالتكنولوجيا والمال والسلطة. وفي قلب هذه التحوّلات، يبرز البيتكوين كشعلة للتغيير وأداة محتملة للتحرّر من قيود النظام الماليّ التقليديّ.
لقد كنّا، حتّى وقت قريب، نشكو من ظلم النظام وانحيازه لصالح الأقوياء، عاجزين عن إيجاد بديل حقيقيّ. كنّا نتحمّل الإجحاف، ونشهد على خرق القواعد من قبل أصحاب النفوذ، دون القدرة على التغيير. أمّا اليوم، فقد تبدّل المشهد تمامًا. لم نعد مجرّد متفرّجين على مسرح الأحداث، بل أصبحنا صنّاعًا للتغيير وروّادًا لعصر جديد.
شهدنا تحوّلًا ملحوظًا في الخطاب العامّ حول العملات الرقميّة. فبعد أن كانت الأنظار مشدودة إلى تصريحات المسؤولين الحكوميّين، أصبح جليًّا أنّ البيتكوين ليس مجرّد فقّاعة عابرة أو نزوة تكنولوجيّة. إنّنا نشهد بداية ثورة حقيقيّة في عالم المال والاقتصاد الرقميّ.
البيتكوين ليس مجرّد عملة رقميّة أو وسيلة للمضاربة الماليّة. إنّه يمثّل تحدّيًا جذريًّا لأسس النظام الماليّ القائم، ويعيد تشكيل مفاهيمنا عن المال والقيمة. إنّه يمنحنا فرصة للتحرّر من قبضة المؤسّسات الماليّة التقليديّة والحكومات الّتي طالما تحكّمت في تدفّق الأموال وتحديد قيمتها.
بيد أنّ علينا توخّي الحذر. فرغم التقدّم الّذي أحرزناه، لم ننتصر بعد. القوى التقليديّة لن تستسلم بسهولة، وهي تتكيّف بسرعة مع هذا الواقع الجديد. لذا، نحن بحاجة إلى يقظة دائمة لضمان أن يظلّ البيتكوين وغيره من التقنيّات اللامركزيّة أدوات للتحرّر، لا وسائل للقمع.
مع تزايد أهمّيّة البيتكوين والعملات المشفّرة، نلحظ اهتمامًا متزايدًا من قبل السياسيّين والمشرّعين. وهذا، وإن كان إيجابيًّا من حيث المبدأ، يحمل في طيّاته مخاطر خاصّة. فمن الضروريّ أن نتذكّر أنّ هؤلاء السياسيّين، مهما بدا تعاطفهم مع قضيّتنا، لديهم مصالحهم وأجنداتهم الخاصّة.
نصيحتي لكم هي: شاركوا في العمليّة الديمقراطيّة بحكمة، لكن احذروا الانجراف وراء عبادة الشخصيّات. فالسياسيّون ليسوا قبيلتنا، ولا ينبغي أن يكونوا محور هويّتنا. استخدموا نفوذكم السياسيّ بذكاء لتحقيق ما تصبّون إليه، لكن لا تمنحوا ولاءكم الأعمى لأيّ شخص أو حزب.
رغم كلّ الحديث عن الحرّيّة الّتي يوفّرها البيتكوين، علينا أن نواجه حقيقة مقلقة: معاملات البيتكوين ليست خاصّة تمامًا. فكلّ عمليّة مسجّلة على سلسلة الكتل العامّة، ويمكن تتبّعها وربطها. وهذا يشكّل تحدّيًا كبيرًا لخصوصيّتنا وحرّيّتنا في المستقبل.
مع تطوّر تقنيّات الذكاء الاصطناعيّ وتحليل البيانات، أصبح من الممكن استخراج معلومات هائلة من هذه المعاملات. قد نجد أنفسنا قريبًا في عالم يمكن فيه تحليل كلّ جانب من جوانب حياتنا الماليّة – وبالتالي حياتنا الشخصيّة – بدقّة غير مسبوقة.
هذا ليس مجرّد تكهّن نظريّ. فنحن نرى بالفعل كيف تستخدم البيانات الماليّة لمراقبة الأفراد ومعاقبتهم بسبب آرائهم السياسيّة أو نشاطهم الاجتماعيّ. من سائقي الشاحنات في كندا إلى طلّاب الجامعات، نشهد حالات متزايدة من “الحظر الماليّ” كشكل من أشكال الرقابة والعقاب.
الذكاء الاصطناعيّ يمثّل تحدّيًا آخر. فبينما يحمل وعودًا هائلة لتحسين حياتنا، فإنّه يحمل أيضًا مخاطر جسيمة على خصوصيّتنا وحرّيّتنا. مع قدرة الذكاء الاصطناعيّ على تحليل كمّيّات هائلة من البيانات بسرعة وكفاءة غير مسبوقة، قد نجد أنفسنا قريبًا في عالم يمكن فيه التنبّؤ بكلّ جانب من جوانب حياتنا وتحليله.
تخيّلوا عالمًا تستطيع فيه البنوك والحكومات استخدام الذكاء الاصطناعيّ لتحليل كلّ معاملة ماليّة تقومون بها، وربطها بأنماطكم السلوكيّة وتوجّهاتكم السياسيّة. هذا ليس مستقبلًا بعيدًا؛ إنّه يحدث الآن، وسيتسارع في السنوات القليلة القادمة.
المشكلة الأساسيّة تكمن في أنّ نظامنا الحاليّ – سواء كان ماليًّا أو سياسيًّا أو اجتماعيًّا – مصمّم لصالح فئة قليلة على حساب الأغلبيّة. إنّه نظام يعزّز عدم المساواة ويكبح الابتكار الحقيقيّ. نحن بحاجة إلى إعادة التفكير جذريًّا في كيفيّة تنظيم مجتمعاتنا واقتصاداتنا.
ما نحتاجه هو نظام يعزّز التعاون بدلًا من المنافسة الضارّة، نظام يمكّن الأفراد بدلًا من إخضاعهم لسيطرة المؤسّسات الكبرى. فما السبيل إلى ذلك؟ قد يبدو الأمر مرهقًا، لكن هناك خطوات عمليّة يمكننا اتّخاذها.
أوّلًا، علينا أن نثقّف أنفسنا. تعمّقوا في فهم التكنولوجيا الّتي تشكّل حياتكم. ادرسوا آليّة عمل البيتكوين، وتعرّفوا على مخاطر وفوائد الذكاء الاصطناعيّ. ثانيًا، شاركوا بفعاليّة في النقاشات حول السياسات التكنولوجيّة والماليّة. مارسوا حقّكم في التصويت، وخاطبوا ممثّليكم، وشاركوا في الحراك المدنيّ السلميّ.
ثالثًا، ادعموا تطوير التقنيّات الّتي تعزّز الخصوصيّة والحرّيّة وشاركوا في ابتكارها. فنحن بحاجة إلى حلول تقنيّة لمواجهة تحدّياتنا التقنيّة. رابعًا، تواصلوا مع من يشاركونكم مخاوفكم وتطلّعاتكم. فبناء المجتمعات والشبكات هو مفتاح التغيير الحقيقيّ. وأخيرًا، كونوا يقظين في استخدامكم للتكنولوجيا. فكّروا مليًّا قبل مشاركة معلوماتكم أو إجراء معاملات قد تعرض خصوصيّتكم للخطر.
إنّنا نعيش في لحظة فارقة من التاريخ. فالتكنولوجيا الّتي نطوّرها اليوم ستشكّل ملامح عالم الغد. يمكنها أن تكون أداة للحرّيّة والتمكين، أو وسيلة للقمع والسيطرة. والخيار بين هذا وذاك بين أيدينا.
تذكّروا، في كلّ مرّة ترون فيها ارتفاعًا في أسعار السلع الأساسيّة أو تشعرون بضغط اقتصاديّ، أنّكم لستم وحدكم في هذه المعاناة. فهذه التحدّيات عالميّة، وتتطلّب حلولًا جماعيّة.
دعونا نعمل معًا لبناء عالم أكثر عدلًا وحرّيّة. لنستخدم التكنولوجيا لتمكين الأفراد، لا لإخضاعهم. قد يكون الطريق طويلًا وشاقًّا، لكنّ المستقبل الّذي نطمح إليه يستحقّ كلّ عناء.
نحن نقف اليوم على مفترق طرق تاريخيّ. فالخيارات الّتي نتّخذها الآن ستحدّد ما إذا كنّا سنعيش في عالم تسوده الحرّيّة والفرص، أم عالم تهيمن عليه المراقبة والسيطرة. فلنختر بحكمة، ولنتذكّر دائمًا أنّ قوّتنا تكمن في وحدتنا وعزمنا على بناء مستقبل أفضل للجميع.
شاهد الخطاب كاملا
