كتاب ” الإعلام: مدخل إلى النظريّة والسيرورة”-مراجعة وتلخيص

كتبه: ياسر العمراني

كتاب “الإعلام: مدخل إلى النظريّة والسيرورة” من الكتب المهمّة، وقد أمضيت معه ثمانية أشهر قارئًا إيّاه ثلاث مرّات. يتألّف الكتاب من أحد عشر فصلًا، تسبقهم مقدّمة يعرض فيها الكاتب الخطوط العريضة لكتابه، ليفصلها في كلّ فصل على حدة.

في الفصل الأوّل المعنون بـ”تأثيث المشهد: الإعلام في السياق”، يذكر الكاتب مجموعة من المنظّرين الاجتماعيّين والإعلاميّين ومصطلحاتهم، مشيرًا إلى أهمّيّة فهمها في سياق هذا الكتاب. الإعلام ليس شيئًا حديثًا، بل هو قديم قدم تاريخ البشريّة، بدءًا من الرسوم على جدران الكهوف وصولًا إلى اللغة الّتي يعتبرها الكاتب الوسيلة الأولى لتحديد الحقائق من خلال المثاقفة والتنشئة الاجتماعيّة. إنّ التنشئة الاجتماعيّة هي عمليّة يساهم الآخرون فيها بجعلنا أعضاء داخل المجتمع. للتواصل قوّة قيميّة، إذ يعرف ويقنع ويخبر ويدلّس، لذا يعدّ الكاتب الانتباه إلى اللغة أمرًا في غاية الأهمّيّة، لأنّها تستعمل للتورية أكثر من إظهار الحقيقة. ويذكر الكاتب أيضًا أهمّيّة القوّة كعامل مفتاح لحركيّة أيّ ثقافة.

يتناول الكاتب في هذا الفصل أشكال السلطة الأربعة داخل المجتمع حسب جون ب. تومبسون، وهي السلطة الاقتصاديّة والسياسيّة والقهريّة والرمزيّة، بالإضافة إلى القوّة التقنيّة الّتي سمّاها ماركس “سلطة امتلاك وسائل الإنتاج”.

أمّا عن الثقافة والتراتبيّة، يذكر الكاتب مفهوم بيير بورديو “الرأسمال الثقافيّ”، الّذي يشبه المال في البنك أو الملكيّة العقاريّة وله ضمانات. يتّخذ الرأسمال الثقافيّ شكل التعليم، معرفة التاريخ والفنّ، والوعي بأساليب التصرّف والأذواق، وهذه كلّها تعدّ مكسبًا اجتماعيًّا ثقافيًّا. يتحدّث بورديو أيضًا عن اقتصاد البضائع الاجتماعيّة الّتي تتحكّم فيها التراتبيّة الذوقيّة. إنّ الرأسمال الثقافيّ هو ملكيّة تفرّق بين الّذين يملكونها والّذين لا يملكونها، لذا يعمد الأغنياء من الآباء إلى “شراء” تعليم مؤدّى عنه؛ لأنّه استثمار سيحقّق لأبنائهم مكسبًا. وبهذا فالثقافة ليست بريئة وكذلك اللغة.

يعدّ مفهوم الهيمنة من المفاهيم المفتاحيّة في حقل الإعلام، والهيمنة هنا لا تعني القوّة والتسلّط، بل الهيمنة الناعمة من خلال المثاقفة والتنشئة الاجتماعيّة. هدف هذه الهيمنة خلق نوع من “التوافق” وجعل هذا التوافق “طبيعيًّا” وإخفاء طبيعته الثقافيّة، أي أنّه مبنيّ اجتماعيًّا. فالقوى المهيمنة تهيمن بواسطة الإعلام الّذي يغذّي حرّاس هذه الهيمنة: القانون، الثقافة، الواقع الاقتصاديّ، والتعليم، لتصبّ في الهيمنة على المجال العامّ: الناخبين، المستهلكين، المواطنين، والعمّال.

تعمل الهيمنة من خلال أجهزة الدولة الفكرانيّة (المصطلح المكافئ للأيدولوجيّة في المغرب العربيّ) مثل التعليم والدين والفنّ والإعلام، وتكون على خير ما يرام إذا كان هناك توافق وتناغم بين هذه الأجهزة. يرجع مصطلح الهيمنة للمفكّر الإيطاليّ أنطونيو غرامشي الّذي أكّد أنّ حالة الهيمنة تحدث حينما يكون هناك تحالف بين القوى المهيمنة، ممّا يظهر أنّ سلطة القوى المهيمنة طبيعيّة وقانونيّة.

مفهوم الفكرانيّة من المفاهيم الّتي ركّز عليها الكاتب، وهي عند ماركس أيّ شكل من الفكر يدعم البنية الاجتماعيّة لمجتمع من المجتمعات، أي تعمل هذه الفكرانيّة على إبقاء الحال كما هو عليه مادام في صالح قوى الهيمنة. أمّا ف. ال. ألان، فيرى الفكرانيّة سيرورة تعمل من خلالها الأفكار والقيم والغايات على إحداث تغيير في السلوك. وبهذا فالفكرانيّة موجودة في كلّ المجتمعات، وفي كلّ الأزمنة. يعتبر ألان أوكونر الفكرانيّة ذات طبيعتين: ظهورها على أنّها طبيعيّة، وأنّها أساس ما يجمع الجميع معًا داخل مجتمع من المجتمعات. ويرى جورج ماكلينن أنّ للفكرانيّة ثلاث حالات لتعمل داخل المجتمع:

– أن يعتنق الأفكار الّتي تناصرها الفكرانيّة عدد مهمّ من الناس.

– أن يكون لها نوع من التماسك.

– أن تربط بين السلطة واستعمالاتها في المجتمع.

يدعونا الكاتب إلى ألّا ننسى أنّ هناك هيمنات متنافسة داخل المجتمع الواحد.

أمّا وجه الهيمنة الحديث، فيتجلّى في دعوى أنّ الاستهلاك هو طريق السعادة، وبهذا تكون هذه الهيمنة داعمًا لتسلّط الشركات الكبرى والشركات العابرة للقارّات على الاقتصاد. تقوم الهيمنة في الفكرانيّة الاستهلاكيّة الرأسماليّة على أنّ السعادة أو الحرّيّة أو المساواة أو الأخوة يمكن تأكيدها من خلال الاستهلاك الخاصّ للسلع تحت رعاية عين الدولة الوطنيّة.

يحذّر الكاتب في آخر هذا الفصل قائلًا إنّ دراسة الإعلام والتواصل نفسها ليست خالية من التأثيرات الفكرانيّة، وكلّ منهج من مناهج دراسة التواصل والإعلام له زاوية فكرانيّة خاصّة به. مؤكّدًا رغم ذلك على ضرورة دراسة الإعلام والتواصل لأنّها، وهنا يقول صراحة إنّه لا يخفي فكرانيّته، مهمّة في الحفاظ على الديمقراطيّة وفهم مختلف أشكال الخطاب الإعلاميّ.

نتحوّل مع الكاتب في الفصل الثاني إلى لغة الدراسة، أي النظريّات والمناهج الّتي تؤطّر دراسة التواصل. يلاحظ الكاتب أنّه كان ينظر إلى التواصل في بدايات دراسته على أنّه طريق واحد عموديّ من المرسل إلى المرسل إليه فقط، حتّى ظهرت نظريّة الاستجابة الّتي غيّرت النظرة إلى الجمهور من جمهور سلبيّ إلى جمهور له قراءته الخاصّة لما يرسل إليه. نلتقي أوّلًا بنموذج شانون وويفر الّذي يقوم على منبع المعلومة، حيث تتحوّل الرسالة في طريقها إلى المتلقّي الّذي يعدّ محطّة الرسالة الأخيرة. يتحدّث نموذج شانون وويفر عن الأشكال الثلاثة للتشويش: التشويش التقنيّ أو الآليّ، التشويش الدلاليّ، والتشويش النفسيّ.

تعدّ التغذية الراجعة مهمّة في أيّ عمليّة إرسال، لأنّها تظهر مدى وكيفيّة تحقّق هذا الإرسال وهل بلغ مراده.

ننطلق إلى نموذج ويلبور شرام الّذي لا يختلف عن نموذج شانون وويفر إلّا في ما غيّره من المرسل والمرسل إليه، وجعلهما المشفّر والّذي يفكّ التشفير. وتكون الرسالة والإرسال واضحين كلّما كان هناك مشترك سمّاه شرام حقل التجربة، أي اللغة والثقافة والمعتقدات والقيم. جديد شرام هو أنّ العلاقة بين المشفّر، والّذي يفكّ التشفير علاقة انفعاليّة وتفاعليّة، وتتحوّل أدوارهما معًا إذ نحن نتلقّى رسائل نفكّ سننها، ونعيد تشفيرها ونرسلها ليفكّ المشفّر سنن إرسالنا أيضًا.

أمّا نموذج لاسويل، فطرحه في أسئلته الخمسة المشهورة ليحدّد علاقة الإرسال والتواصل:

– من؟

– يقول ماذا؟

– وبأيّ وسيلة؟

– ولمن؟

– ولأيّ غاية؟

أمّا غاربنر فمدّ أسئلة لاسويل إلى عشرة أسئلة:

– ثمّة شخص ما.

– تلقّى حدثًا.

– فاستجاب.

– في حالة.

– عبر وسيلة.

– ليصنع منها موادّ.

– على شكل ما.

– وفي سياق.

– يحمل محتوى.

– له بعض العواقب.

نجد هنا عند غوربنر تمييزًا بين الحالة والسياق، فحالة المصوّر مثلًا قد تؤثّر في السياق الّذي يصوّر فيه.

بعدها ننتقل مع الكاتب إلى ثلاثة مفاهيم مهمّة وهي العلامة والسنن والنصّ. تتضمّن كلّ علامة تواصليّة ما نراه أو نسمعه، وهذا هو الدالّ، وما ترمز له هذه العلامة أو تعنيه، وهذا هو المدلول. فالعلامة إذن تتكوّن من عنصرين: الدال بتعبير دو سوسير والمدلول أي الفكرة، وعند غوربنر يسمّى “percept”، وعند تشارلز بيرس يسمّى “object”، وعند آي. إي ريتشاردز يسمّى “the referent”. بهذا فالمعنى ليس شيئًا جوهريًّا في العلامة بقدر ما هو متعارف عليه داخل جماعة معيّنة أو بين مستهلكين معيّنين. وهنا نلاحظ التحوّل في النظر إلى الرسالة الّتي لم تعد ملكيّة من يرسلها، بل تتحوّل أيضًا إلى ملكيّة من يتلقّاها.

أمّا عند بيرس فالعلامة ثلاثة أنواع: أيقونيّة، وإشاريّة، ورمزيّة. العلامة الأيقونيّة تشبه ما تصفه مثل الصور والخرائط. العلامة الإشاريّة تعمل من خلال الربط كالدخان الّذي يشير إلى النار. والعلامة الرمزيّة اعتباطيّة يصبغ عليها مجتمع ما معنى ما، مثل الحروف الأبجديّة الّتي هي اعتباطيّة، لكنّها ذات دلالة عند مستعمليها. ويمكن للعلامة أن تجمع هذه الأنواع الثلاثة. فاللون الأحمر مثلًا يشبه الدم، وهو مؤشّر على خطر، ويرمز للهيمنة والقوّة والحرب.

لا تعمل العلامات منفردة، بل تجمع في نصوص حسب سنن محدّد، وما يهمّ الكاتب حسب قوله الرموز العمليّة الّتي تحكم الأعراف والسلوك. الرموز العمليّة عند جون فيسك أربعة: الرموز الطبيعيّة، والرموز التقنيّة، والرموز الفكرانيّة، والرموز الجماليّة.

نميّز عند استعمال اللغة بين النماذج والتركيبات (Paradigms and Syntagms). تعبر الحروف الأبجديّة عن النماذج، وعندما تركب في كلمات وجمل ونصوص تصبح تركيبات. النماذج هي مجموعة من.

 الإمكانات الّتي نركّب منها اختياراتنا اللغويّة، والرموز تحكم العلامات الّتي عند اجتماعها تصبح نصوصًا. يدخل هنا رولان بارث ليقول إنّ النصّ يختلف عن العمل. يكتب الكاتب نصًّا، لكنّ هذا النصّ يصبح في ملكيّة القارئ، والنصّ هو ما أقرأ بتعبير بارث. هذا يؤدّي إلى نوعين من النصوص: نصوص مفتوحة ونصوص مغلقة، والنصّ مثل الرموز والعلامات يمكن أن يكون مرنًا أو متصلّبًا، أي يمكن أن يكون مفتوحًا أو منغلقًا.

ينتقل الكاتب بعد ذلك إلى مصطلحي الكناية والمجاز (metonym and metaphor). يعبر الأوّل أو يمثّل الشيء الّذي يريد تمثيله، أمّا المجاز فيعبّر عن شيء ينتمي إلى نموذج مختلف ليحدّد به شيئًا آخر في نموذج آخر.

نصل مع الكاتب إلى مصطلح آخر هو مصطلح الخطاب، أو ما سمّاه الكاتب النصّ الشموليّ. يعرف روبرت هودج وغانثر كريس الخطاب بأنّه الموقع الّذي تلتقي فيه أشكال التنظيم الاجتماعيّ مع أنظمة العلامات لإنتاج النصوص، أي إعادة إنتاج المعاني والقيم الّتي تشكّل النصّ. إنّ الخطاب بهذا المعنى هو “كلام” القويّ في المجتمع، أي كلام النخبة. إنّه الوسائل الّتي تفرض بها النخبة، أو تطمح أن تفرض بها تعاريفها. الخطاب إذن ليس وسيلة للتبادل التواصليّ، بل هو مجموعة قواعد تضبط هذا التبادل التواصليّ.

إنّ النصوص معطيات جزئيّة للتبادلات الكبرى تسمّى الخطاب، وبما أنّ النصوص متجذّرة في الخطاب، فهو بدوره متجذّر في نظام التواصل، ونظام التواصل هو المعترك المناظرات والصراع. تهيمن بعض الخطابات على الساحة الاجتماعيّة، وبعضها الآخر يكون تابعًا، لكنّ هذا بعيد غالبًا في المجتمعات الّتي تعرف تعدّديّة.

تعدّ الدراسات السيميائيّة مهمّة في حقل التواصل. نميّز مع بارث بين مستويي الدلالة: الدلالة الإيحائيّة والدلالة التقريريّة (connotation and denotation). الدلالة التقريريّة تقرّر وتعطي معنى الشيء أو وصفه، بينما الدلالة الإيحائيّة تغطّي المعنى بغطاء ثقافيّ أو فكرانيّ. رغم ذلك، لا يجب اعتبار الدلالة التقريريّة خالية من الفكرانيّة، بل قد تكون أكثر فكرانيّة من الدلالة الإيحائيّة؛ لأنّ الفكرانيّة تختفي خلف “الحقائق”.

ننتقل إلى الأسطورة عند بارث الّتي تعني عنده نوعًا من الخطاب، نظامًا من التواصل، ونوعًا من الخطاب الّذي اختاره التاريخ. إنّ الأسطورة لا تنكر الأشياء، بل على العكس تمامًا، وظيفتها الكلام عن الأشياء، تطهيرها وجعلها بريئة. إنّها تعطي الأشياء برهانًا طبيعيًّا وأبديًّا، وتمنحهم وضوحًا ليس من نوع الوضوح في تفسير الأشياء، بل وضوحًا على شكل حقائق. تحتاج الأساطير لتصبح حقيقة إلى أن يؤمن بها أحدهم فقط.

ننتقل مع بارث من حيوان لغويّ كما عند دوسوسير إلى مخلوق ثقافيّ. هذا وتركيزه على هيمنة الأسطورة باعتبارها النموذج المهيمن لتفسير المجتمع المعاصر، ننتقل معه أيضًا للحديث عن الإنسان كائنًا سياسيًّا.

أمّا عن علاقة الجمهور بالنصّ، النصّ هنا يعني كلّ شيء مصوّر ومشاهد ومقروء ومسموع، فنلتقي بستيوارت هال وحديثه عن القراءة المفضّلة (preferred reading)، أي أنّ كلّ منتج لخطاب له هدف أن يقرأ الجمهور رسالته بهذه الطريقة أو تلك. يرى ستيوارت هال أنّ هناك ثلاثة أشكال لتلقّي النصوص: إمّا أن يكون النصّ مهيمنًا على الجمهور (dominant)، أو يكون متفاوضًا عليه بين النصّ والجمهور (negotiated)، أو يكون مرفوضًا من لدن الجمهور (oppositional). هذه الأشكال الثلاثة نجدها أيضًا عند فرانك باركينز: قراءة مهيمنة (dominant)، وتابعة (subordinate)، ومتطرّفة (radical).

مصطلح سيميائيّ آخر مهمّ من نحت المفكّر أمبيرتو إيكو وهو فكّ التشفير الشاذّ (aberrant decoding)، أي حينما يقرأ الجمهور أو المتلقّي الرسالة قراءة تختلف عن قصد المرسل. إنّ الجمهور، نحن، نقرأ النصوص معيّة تجاربنا ومعتقداتنا وقيمنا.

ينتقد الكاتب نماذج القراءة الّتي جاء بها كلّ من ستيوارت هال وباركينز، ذلك أنّ قراءتنا نحن الجمهور أو المتلقّين أعقد من ذلك، لأنّها قراءة معرفيّة وعاطفيّة وإيحائيّة في طبيعتها.

لقد فتحت العلاماتيّة (semiology) على اختلاف توجّهات منظريها وزوايا نظرهم أعيننا على طبيعة التواصل الّذي يعدّ تعبيرًا عن الثقافة وآليّة للتحليل. هذا وتشجّعنا العلاماتيّة على اختراق مستويات المعنى، وتحذّرنا من طبيعته المركّبة وزئبقيّته وتأثّره بالسياقات المختلفة.

يفرد الكاتب الفصل الثالث للجمهور وكيفيّة استعماله للإعلام، بادئًا بنظرة النظريّة النقديّة الّتي تمثّلها مدرسة فرانكفورت، وهي نظرة تشاؤميّة ترى في الإعلام شرًّا والجمهور لا حول له ولا قوّة أمام الآلة الإعلاميّة، وذلك لاعتبارات تاريخيّة مثلما حدث للمجتمع الألمانيّ مع الإعلام النازيّ، وتناغمه مع فظاعاته. في المقابل، هناك نظريّة الاستخدامات والإشباعات (uses and gratifications theory) الّتي نقلت الاهتمام من منتج الرسائل إلى المتلقّي. حسب هذه النظريّة، هناك أربعة احتياجات كبرى يشبعها الإعلام لدى الفرد: الهروب من الواقع، والعلاقات الشخصيّة، والهويّة الذاتيّة، والمراقبة.

يرى الكاتب أنّ كلا النظريّتين، مدرسة فرانكفورت ونظريّة الاستخدامات والإشباعات، تتجاوزان محدّدًا أساسيًّا. تركّز النظريّة الثقافيّة أكثر على المرسل أكثر من المتلقّي، وتركّز النظريّة المقابلة لها على المتلقّي أكثر من المرسل. أي إنّ منظري النظريّة الثقافيّة يدرسون النصوص بدون قرّاء، ويدرس منظّرو الاستخدامات والإشباعات قرّاء بدون نصوص.

يثير الكاتب مسألة الاعتماد على الإعلام (dependency theory). تقوم هذه النظريّة على دعوى أنّه كلّما كانت منابع المعلومات أقلّ تنوّعًا وتعدّدًا، كلّما استحكم الإعلام في أفكارنا وتوجّهاتنا وسلوكنا. يرى منظّرو هذه النظريّة أيضًا أنّه كلّما كانت البنية الاجتماعيّة غير مستقرّة بسبب الصراع والتغيّر، كلّما زاد تأثير الإعلام.

في الجهة المقابلة، يرى النموذج التحريريّ (the emancipatory mode) أنّ للجمهور قولًا في قراءته للنصوص، ذلك أنّ كلّ متلقّ هو مرسل أيضًا، وهذا التوجّه هو عكس التوجّه القسريّ للإعلام الّذي تمثّله النظريّة الثقافيّة.

أمّا مع نظريّة الغرس الثقافيّ (cultivation theory) للمنظر جورج جربنر، فتتحدّث عن غرس التلفاز وما يرسله من صور خطاب الأغلبيّة وتغييب الآخر المختلف، أي يعيد التلفاز تدوير أفكار الأغلبيّة والنخبة ومحاولة تكريس هيمنة فكرانيّة الأغلبيّة عبر التعميم (mainstreaming).

يتمّ هذا التعميم حسب جيربنر من خلال أطوار ثلاثة هي: الطمس، والتوليف، والثنيّ (the three Bs: blur, blend, and bend).

يستعمل الجمهور الإعلام لإشباع رغباته المعرفيّة والعاطفيّة. يبحث الجمهور في الإعلام عمّا يغذّي ويطمئنّ رغباته ومواقفه وأفكاره وسلوكاته، ويبتعد عن أيّ ما من شأنه أن ينغّص عليه ما يطمئنّ إليه من أفكار وزوايا نظر. هذه النظريّة تعرف باسم التنافر المعرفيّ (cognitive dissonance) كما نحتها عالم النفس الألمانيّ ليون فيستنغر.

إنّ رغبتنا في الإشباع المعرفيّ والعاطفيّ تعطينا نوعين من المتلقّي: متلقّي عاطفيّ ومتلقّ يسافر بين التوجّهين: التوجّه المعرفيّ والتوجّه العاطفيّ.

يؤثّر فينا الأشخاص المهمّون في حياتنا مثل آبائنا وأصدقائنا وأساتذتنا، وهنا يعرّج الكاتب على نموذج بول لازارسفيلد المعروف بالتدفّق ثنائيّ الخطوات معيّة وحيد وثلاثيّ الخطوات (one-step, two-step, multi-step flow models of communication)، الّذي أكّد دور تأثير الأشخاص المهمّين في حياتنا الّذين قد يكونون متأثّرين بدورهم بالإعلام، وبهذا تنتشر أفكار الفكرانيّة المهيمنة.

لم يفت الكاتب ذكر مفهوم صنع الذات (self formulation or project of self)، أيّ العمل على كيف نريد من الآخر أن يرانا والصورة الّتي نحبّ أن تصبح ملازمة لنا، وهذا المفهوم من نحت المفكّر جون بي تومبسون، إذ يرى أنّ بعض الأفراد يهربون من الأحداث الّتي لا تقع داخل اهتماماتهم اليوميّة، في حين يعمد آخرون إلى التماهي مع بعض المجموعات والدفاع عنها وعن توجّهاتها.

من النماذج الّتي تعدّ رائدة في دراسة التلقّي والجمهور نجد علم وصف الأعراق البشريّة (ethnography)، ومن بين أهمّ البحوث الّتي يلجأ إليها العاملون داخل هذا العلم الملاحظة بالمشاركة أو الملاحظ المشارك (participant observation)، الّذي يدرس أنماط سلوك الناس ومفاهيمهم للحياة والمجتمع من الداخل. هناك ملاحظة عامّة بين ملاحظي الثقافة والمجتمع والسياسة.

 أنّ في أغلب المجتمعات ثمّة صراع أبديّ بين الهيمنة ومقاومة الهيمنة. لا تهيمن الهيمنة بشكل مطلق، ولا تخمد المقاومة بشكل مطلق. إلّا أنّ جون فيسك يعترف أنّ المقاومة من القاع غالبًا ما تكون غير ذات بال خارج نطاق المستوى الجزئيّ (micro-level) للحياة اليوميّة، وبهذا لا تستطيع تغيير البنيات الّتي تنظّمها الفكرانيّة المهيمنة.

هناك معرفتان تتنازعان ماهيّة الجمهور: النظرة الّتي ترى الجمهور مجموعة من المستهلكين، وهي النظرة المؤسّساتيّة، والنظرة الّتي ترى الجمهور مواطنين، وهي نظرة علم الأعراق البشريّة. يقود النظرة الأولى خطاب مراكز التسوّق، بينما تميّز زاوية نظر نظريّة الأعراق البشريّة بين “الجمهور الحقيقيّ” و”جمهور التلفاز”. يبرز هذان التوجّهان فلسفتين مختلفتين للتواصل. تعدّ الأولى منهما المعرفة سلعة، والثانية تعدّها خدمة للملك العامّ، أي سيرورة للتبادل الثقافيّ. ينتمي فيسك إلى التوجّه الّذي يرى أنّ للجمهور قول فيما يتلقّف من نصوص، بينما يرى التوجّه السوداويّ مثل هربرت شيلر أنّ الشركات الكبرى للإنتاج أقوى بكثير من جمهور/متلقّ لا قوّة له لدفع تأثيرات الإعلام والاستهلاك.

عنون الكاتب فصله الرابع بـ”الإعلام في المجتمع: الهدف والأداء”. تدخل وظيفة الإعلام تحت نماذج ثلاثة كبرى هي:

– النموذج الدعائيّ.

– نموذج التجارة الحرّة.

– نموذج الخدمة العامّة.

يعدّ الإعلام معرّفًا للواقع وآليّة من آليّات التحكّم الاجتماعيّ. من منظور النموذج الدعائيّ، تعمل الدولة أو ترى الدولة أو الحكومة المعرفة قوّة، وهي قوّة فقط إذا ما كان يمكن ضبطها وتوزيعها بالشكل الّذي يرضيها. بهذا المعنى يكون الإخبار مثل اللاإخبار.

أمّا نموذج التجارة الحرّة، فيبدو أنّه منافس للدعاية، ذلك أنّ هذا النموذج يرى في تملّك وإنتاج الإعلام مقاولة ماليّة ببساطة هدفها الأساس الربح ولا شيء غير الربح. ليس ثمّة فكرانيّة ثاوية خلف ذلك. أمّا الجمهور، فهم جماعة من المستهلكين الّذين يجب أن تلبّى رغباتهم. على العموم، هذه دعوى ولا يقاس المرء بما يقول بقدر ما يقاس بما يفعل، ومهما ادّعى المرء خلوّ أهدافه من الفكرانيّات، فإنّ إغراء جوع السلطة (megalomania) وارد، والمتحكّمون في الإعلام يحلمون بالسلطة السياسيّة أكثر ممّا يحلمون بالتأثير السياسيّ.

يبقى على نموذج الخدمة العامّة للإعلام أن يواجه ثلاث جبهات: الطموح الافتراسيّ للقطاع الخاصّ في امتلاك المجال العامّ، وضغط الجماعات الضاغطة على الحكومات لتقليص حدود تدخّلها ما أمكن، وأخيرًا ما جلبته التكنولوجيا من تغيّر في النظر إلى واستعمال الإعلام.

يحذّر الكاتب من أنّ كلّ الأطراف تقول إنّ أهداف وغايات الإعلام تتحدّد في الإخبار والتعليم، والترفيه. يشبه الكاتب هذا الثلاثيّ بالهولوجرام، الّذي ترى من خلاله، ولا تستطيع لمسه حسّيًّا. فحينما يقولون من أهداف الإعلام الإخبار والتعليم والترفيه، فهل هي منفصلة عن بعضها؟

عمل المنظر دونيس ماكيويل على نحت تصنيفات أكثر تعقيدًا لأهداف الإعلام وغاياته، وتقع هذه التصنيفات في نظريّات سيطلق عليها بالنظريّات المعياريّة –كيف يجب أن يكون الشيء- وبهذا يضع ماكويل ستّ نظريّات معياريّة لأهداف الإعلام: النظريّة التسلّطيّة، ونظريّة الإعلام الحرّ، ونظريّة المسؤوليّة الاجتماعيّة، والنظريّة السوفياتيّة، ونظريّة التنمية، ثمّ نظريّة الديمقراطيّة التشاركيّة.

أمّا وظيفة الإعلام، فتتوزّع عبر لعب أدوار ثلاثة. يمكن للإعلام أن يتّخذ دور كلب المراقبة (watchdog)، أو كلب الحراسة (guard dog)، أو الكلب المدلّل (lapdog). في الدور الأوّل، يلعب الإعلام دور عين الشأن العامّ الّتي لا تنام. أمّا دوره كلب حراسة، فيكون الناطق باسم من يطعمه. وأمّا الكلب المدلّل، فهو الإعلام الناطق باسم فكرانيّة معيّنة أو مؤسّسة بعينها.

ينتقد الكاتب التعديل الأوّل (First Amendment) لأنّه أعطى حرّيّة التعبير الّتي تخصّ الأفراد أيضًا للمقاولات والشركات الإعلاميّة الكبرى، لتصبح ذات صوت أعلى من جميع الأفراد، ليصبح هذا الحقّ الّذي من حقوق الإنسان، حرّيّة التعبير، معيقًا لحرّيّة التعبير.

ينتقد فيسك معايير الخدمات العامّة للإعلام؛ لأنّها ليست واقعيّة، إذ تقوم على المثلّث الذهبيّ للإعلام: الموضوعيّة، والتوازن، والحياد. يقول فيسك إنّنا يجب أن نتحدّث عن موضوعيّات لا موضوعيّة واحدة، ذلك أنّها تنتمي أيضًا إلى خطاب أو خطابات الصراع داخل المجتمع.

ننتقل إلى الفصل الخامس الّذي ركّز على الأبواب والأجندات والقيم الخاصّة بالأخبار. إنّ الأخبار منتوج السياقات الثقافيّة الخاصّة بها. لا تظهر الأخبار الواقع في المرآة، بل تبنيها من خلال طقوس معيّنة. إنّ النخبة الحاكمة لا تتصدّر الأخبار، بل تنشئ هذه الأخبار.

يذهب الكاتب إلى أنّ ما يحدّد قيمة الخبر عاملان: المركزيّة العرقيّة والقرب الثقافيّ. أمّا القرب الجغرافيّ، فلا يضمن تتبّع الأخبار. الأخبار ليست عن إخبارنا عن الواقع أو ما يقع بالفعل، بقدر ما هي ما الأهمّ في هذا الواقع حسب المتحكّمين في الأخبار. يعود الكاتب إلى الخطاب مرّة أخرى، وهذه المرّة مع تعريف غوتنر كريس الّذي يعرف الخطاب بأنّه مجموعة من التصريحات المنظّمة الّتي تعطي تعبيرًا للمعاني والقيم الخاصّة بمؤسّسة من المؤسّسات. إنّ الخطابات تعرف وتصف وتحدّ من ما يمكن أن يقال، وعليه ما يمكن أن يفعل وما لا يمكن أن يفعل، مركّزين أي الخطابات على المنطقة الّتي تهمّ المؤسّسة صاحبة القول في الإعلام.

تفعل المؤسّسات الإعلاميّة هذا من خلال حراسة ما يدخل وما يخرج من الباب، إذ لا يمكن أن يصبح الخبر خبرًا حتّى يكون هذا الحدث أو الخبر مهمًّا في نظر المؤسّسة الإعلاميّة، وبعد أن يحوّل ويلائم توجّه المؤسّسة. ورغم ذلك، تقديم خبر أو تأخيره وجعله وسط ركام من الأخبار ليس بريئًا، بل هي طريقة قد تستعمل للتضليل أو تهريب الخبر الّذي من شأنه أن يفضح شيئًا أو مؤسّسة.

يرى ستيوارت هال أنّ هناك مستويين في قيم الأخبار. مستوى رسميّ له علاقة بالصنعة الإعلاميّة، ومستوى فكرانيّ ينتمي إلى الخطاب السياسيّ. رغم ذلك، يصعب التمييز بين المستويين، لأنّ من طبيعة الفكرانيّة التخفّي، فهي تمثّل البنية العميقة الّتي تعتنقها وتؤثّر بها النخبة الحاكمة على الباقي. وبهذا كما نرى في نموذج ويسترستال وجوهانسون، تتوسّط الفكرانيّة عمليّة إنتاج الأخبار.

في الفصل السادس الّذي عنوانه “السرد: الإعلام سرد قصص”، يرى الكاتب أنّ الإنسان كائن سردي (Homo narrans) وأنّ السرد كلمة مفتاح في الخطاب الإنسانيّ. فحينما يسرد المرء قصّة، فإنّه يقدّم قصّة عن نفسه من حيث قيمه ومواقفه ومعتقداته. إنّ الصحافة، رغم أنف الصحفيّين، لا تفعل شيئًا آخر غير القصّ. هناك طبعًا طريقتان من الصحافة: طريقة الإبلاغ، أي الطريقة التحليليّة، وطريقة القصّ، أي طريقة القصّة. وكلا الطريقتين منبثتان في الأفراد كما في المجتمعات. لذلك يرى بيتر دوهلغرين أنّ الحكي يربط بين الصحافة والثقافة الشعبيّة، والسرد طريقة من طرق معرفة العالم. ويعود بنا إلى الأسطورة باعتبارها حكيًا كما حدّدها بارث، أي إنّ التواصل كما سبق ذكره يعمّم من أجل التحكّم، وتمكّن الأسطورة “التفسيرات” من البقاء وحيدة مرتفعة عن السياقات الثقافيّة والتاريخيّة، فتصبح في مأمن عن المعاني أو الخطابات الأخرى الّتي تعارضها.

يذكر الكاتب قواعد رولان بارث الخمس الّتي يمكن أن تجمع تحت ظلّها كلّ العلامات النصّيّة في السرد:

– الفعل.

– الرمز الدلاليّ أو ما يسمّيه بارث “صوت الشخص”.

– الغموض أو الرمز التأويليّ، ما يسمّيه بارث “صوت الحقيقة”.

– الرمز المرجعيّ أو الثقافيّ، ما يسمّيه بارث “صوت العلم”.

– السنن الرمزيّ. إنّ الرمز عند بارث وجهة نظر الاقتباسات، سراب من البنيات، لا نعلم عنه إلّا مدّه وجزره.

يلخّص هارلي الصحافة قائلًا إنّها تعطي المعنى من خلال خلق الواقع على صورة رؤية. ونختم مع أفلاطون قوله إنّ من يحكي القصص يقود المجتمع.

يعالج الكاتب في الفصل السابع إشكال الضغوطات والمعيقات في صناعة الإعلام. من هذه الضغوطات والمعيقات في العالم الغربيّ التنافس على الفوز بموارد الإشهارات الربحيّة، وغالبًا ما تكون هذه الإشهارات سلاحًا في التحكّم بخطّ تحرير الصحافة. أيضًا من المعيقات التنافس بين الترفيهيّ الّذي ينكبّ عليه “المستهلكون” والمعلوماتيّ التثقيفيّ الصعب الهضم.

جمع نموذج ماليتسكي ستّة عوامل تؤثّر في المخاطب هي:

– رؤية المخاطب لنفسه.

– بنيّة المخاطب الذاتيّة.

– فريق عمل المخاطب.

– وضع المخاطب في مؤسّسته.

– الطبيعة

 الاجتماعيّة للمخاطب.

– وضغوطات ومعيقات المحتوى الخاصّ بجمهور الإعلام.

نفس الأمر يقال عن المتلقّي.

ذكر الكاتب أيضًا إشكال حدود الإعلاميّ: هل يتدخّل إذا رأى أمرًا لا أخلاقيًّا أو فسادًا سياسيًّا؟ أي هل يجب أن يكون له رأي، ويتّخذ موقفًا أم لا؟ وهذا سؤال شائك.

أمّا مسألة الإعلام والأقلّيّات، فيرى أنّه لن يكون للأقلّيّات صوت إلّا إذا تمكّنوا من وسائل الإعلام هم أنفسهم.

يتعرّض الكاتب في الفصل الثامن إلى أهمّيّة البحث في عالم الإعلام وعنون فصله بـ”على إثر ماجلان: البحث باعتباره اكتشافًا”. يقول الكاتب إنّ البحث مثله مثل الإعلام، يجمع المعلومات كما يجمع الإعلاميّ معلومات عن قصّة معيّنة.

يتأثّر البحث بالانتقاء والتأكيد وخبرات الباحث السابقة ومعرفته وميولاته وقيمه مهما كان هذا الباحث منفتحًا. بحوث الإعلام كلّها عن المحتوى وطبيعته وكيفيّة جمعه وتقديمه وأهدافه، وكذلك طريقة الجمهور في التفاعل مع هذا الإعلام وكيفيّة تأثّرهم بمحتواه.

يطمح البحث في حقل الإعلام إلى اكتشاف أنماط السلوك والخطاب والمواقف والعادات والممارسات، وكلّ هذا داخل سياقه الثقافيّ.

هناك نوعان من البحث، البحث التجاريّ والبحث الأكاديميّ. يتغيّا الأوّل بلوغ وفهم ما يحبّه الجمهور في مسلسل ما، حتّى يؤكّدوا على إبراز ما يحبّه الجمهور. أمّا مبتغى البحث الأكاديميّ فهو فهم سلوك الناس ومواقفهم ومعتقداتهم في علاقتهم بالإعلام ثمّ مشاركة نتائج البحث مع الآخرين.

من مناهج البحث تحليل المحتوى، ومن أهمّ رؤوسه أنجيلا ما كروبي وجامعة غلاسكو والأستاذ جورج جيربن. وصلت نتائج هؤلاء الباحثين، جامعة غلاسكو مثلًا، إلى أنّ الأخبار ليست حياديّة، بل تميل غالبًا إلى فكرانيّة النخبة، وتعتمّ أو تغيب صوت الحكومة المعارض. في حين وصل جيربنر عبر مصطلح التعميم إلى أنّ الإعلام يقود إلى فكرانيّة محافظة رأسماليّة. من مناهج البحث أيضًا الملاحظة بالمشاركة كما سبق ذكره.

يفتح الكاتب قوسًا ليتحدّث عن الفرق بين البحث الكمّيّ والبحث الكيفيّ. يقول إنّ الفرق بينهما ليس فرقًا في الجودة، بل إنّ البحث الكمّيّ أقلّ ذاتيّة بشكل عامّ؛ لأنّ البحث يتّخذ واسطة بدل البحث وجهًا لوجه مع الظواهر الاجتماعيّة خاصّة. البحث الكمّيّ يتقصّى بعمق من خلال الملاحظة واللقاءات، وهو مستهلك للوقت وباهظ. أمّا البحث المعتمد على علم الأعراق البشريّة، فهو يهتمّ أكثر بالفهم الذاتيّ للظواهر. ومن المفيد حسب الكاتب المزاوجة بين منهجي البحثين.

يذكر الكاتب ما أكّده هوربرت بلومر على أنّه من المستحبّ دراسة استجابة الجمهور في سياقه، أي والجمهور يمارس استجابته للمحتوى الإعلاميّ.

من مناهج البحث أيضًا منهجيّة الجلسات النقاشيّة أو مجموعات التركيز (focus group)، الّذي من منظريه دافيد مورلي، الّذي يؤكّد على أهمّيّة الأسئلة غير الموجّهة (non-directive questions) والمعجم الواضح (functioning vocabulary). وصل مورلي إلى أنّ الجمهور ليس سلبيًّا في علاقته بالإعلام، ذلك أنّ من بين ما يحدّد علاقة الجمهور بالإعلام تجربته الثقافيّة أيضًا.

أمّا السوق، ولمعرفة مستهلكيه، يقوم على تقسيم هؤلاء المستهلكين (segmentation) إلى أقطاب، يعطي للمستهلكين صورة جميلة، ويعمل على تضييق دائرة الممانعين مثلًا لمنتوج من المنتجات.

إنّ ما يتمّ بيعه ليس المنتج بل الذات، وما يباع ليس الخدمات، بل الصورة الّتي يرى فيها المستهلك نفسه.

في الفصل التاسع، يتحدّث الكاتب عن مسألة التملّك والتحكّم في المعلومة. لقد أثبتت المعلومة أنّها أهمّ منتج في القرن العشرين وكذلك في هذا القرن، وهدف هذا الفصل بيان كيف يتعامل بالمعلومة لتصبح سلاح تحكم في الجمهور/المتلقّي المستهلك.

تعمل الشركات الكبرى على توزيع المعلومة كما تبتغي هي عن طريق التغليط والإلهاء وأسطرة المعلومة أو استصغار معلومة مهمّة والتبخيس من قيمتها. ضرب الكاتب لذلك مثالين من الولايات المتّحدة والمملكة المتّحدة. لقد قام أوليفر نورث في سنة 1987، حينما وقف مواجهًا الصحافة، باستغلال الأسطورة الأمريكيّة عن البطل الّذي يواجه الخطر للدفاع عن الشعب بأنّه فعل ما فعل من أجل أمريكا، وكانت الفضيحة بيع الولايات المتّحدة أسلحة لإيران، وبتلك الأموال الّتي حصلت عليها دعمت محاولة انقلاب مجموعة يمينة على الحكومة الماركسيّة في نيكاراغوا. وبهذا، عوّض التركيز على فضيحة تدخّل الولايات المتّحدة في شؤون الآخرين، أصبح الأمر بطوليًّا. أمّا القصّة الثانية فهي من بريطانيا، حينما كشف تقرير عرف باسم تقرير سكوت عن تورّط الحكومة البريطانيّة في بيع أسلحة لنظام صدّام، قوبلت هذه الفضيحة بصمت من أغلب الصحف البريطانيّة، بل واستصغارها، وذهبت بعض الصحف إلى أنّ بريطانيا باعت للأرجنتين أسلحة غاضة الطرف على أنّ الأسلحة بيعت قبل خوض الحرب مع الأرجنتين.

المثالان دليل على أنّ الإعلام يمكن أن يخمد أيّ نقد موجّه لأصحاب القرار. ينتقل الكاتب إلى سؤال التعدّد: هل هناك تعدّد إعلاميّ حقيقة؟ فها هم حفنة من كبار إمبراطوريّي الإعلام، مردوخ وصحبه، يمتلكون أسهم أغلب الصحف والمجلّات والقنوات والإعلام بشكل عامّ. لكنّ الخطورة ليست هنا فقط، بل الخطورة أيضًا في تملّك الشركات الكبرى الثقافة وتفريغها من محتواها الثقافيّ إلى جعلها بضاعة تباع وتشترى. لذلك، يتحكّم كبار الملّاك في دور السينما والمسرح والمتاحف، والغرض الأكبر هو الاستهلاك العامّ. يصبح الاستهلاك عقيدة، كما سبق، الاستهلاك هو الثقافة الجديدة المرتبطة بالرفاهية والسعادة والديمقراطيّة. لقد تجاوزنا حسب جون فيسك مجاز ماكلوهان عن القرية العالميّة لنصبح داخل مركز تسوّق عالميّ.

يعود هربرت شيلر إلى مسألة “خوصصة المعلومة” (the privatisation of information)، وذلك بجعلها بضاعة هي الأخرى، ولم تعد المعلومة متاحة مجّانًا، بل لمن يستطيع الدفع.

يصل الملاحظون إلى أنّ الثقافة الّتي تنشرها الشركات الكبرى هي ثقافة الرأي الواحد والنمط الواحد، أمّا التعدّد فيسمح به على قدر ما يهمّ مصالح الشركات الكبرى. بل وعملت الشركات الكبرى على جعل الديمقراطيّة والاستهلاك شيئًا واحدًا، فالاستهلاك هو الديمقراطيّة، وأيّ فكرانيّة أو نقد من شأنه تقويض الاستهلاك أو ترشيده على الأقلّ يعدّ اعتداء على حقوق الإنسان والديمقراطيّة.

يرى جون فيسك الّذي سبق أن رأيناه أنّ هناك مقاومة سيميائيّة (semiotic resistance) تحوّل الاستهلاك إلى شأن فرديّ قد لا يهمّ قصد المرسل ومبتغى الشركات الكبرى، لكنّه أضعف من المقاومة السياسيّة (political resistance)، ويؤدّي هذا إلى خوصصة المعلومة والمجال العامّ سواء وطنيًّا أو دوليًّا، ممّا يؤدّي إلى اتّساع الهوّة بين الدول الفقيرة معلوماتيًا والدول الغنيّة معلوماتيًا (the information-rich and information-poor nations)، وتوسيع الهوّة بين المركز والهامش (core nations and periphery nations)، ممّا يؤدّي إلى اللاتوازن المعلوماتيّ/المعرفيّ (information imbalance).

يعود الكاتب إلى المدرستين المختلفتين في رؤية الجمهور وهما مدرسة الغرس الثقافيّ والمدرسة الإثنوغرافيّة. ترى المدرسة الأولى الجمهور سلبيًّا متأثّرًا مشكّلًا بالإعلام لا حول له ولا قوّة، بينما تدافع المدرسة الثانية عن إيجابيّة الجمهور واستقلاليّته وقدرته على تشكيل ما يتلقّفه من الإعلام ليساير معتقداته وقيمه. يتزعّم المدرسة الأولى جورج جيربنر.

يمكن أن تحدث ثلاثة أشياء من خلال تتبّع الجمهور للإعلام. أوّلًا، يمكن أن يحدث الإعلام تغييرًا في سلوك ومواقف الجمهور. ثانيًا، يمكن أن يعمل الإعلام على تثبيت مواقف بعينها ومقاومة أيّ تغيير للواقع. ثالثًا، يمكن ألّا يحدث شيء مطلقًا.

يدرس الكاتب في هذا الفصل العنف، ويصل إلى أنّه محدّد أساس للضبط الاجتماعيّ، إذ من خلال الإعلام يظهر العنف وسيلة مخمّة للنظام شريطة أن يكون في يد آمنة، وهي طبعًا الشرطة وأجهزة الدولة والحكومة.

يعود الكاتب مرّة أخرى إلى قدرة الجمهور على تعديل المحتوى الإعلاميّ ليساير توقّعاتهم، لذلك يربط كولين كامبل المتعة الّتي يحقّقها الإعلام بتحقيق المتعة الذاتيّة لا متعة من يتحكّمون في الإعلام، لذلك فإنّ تجربة المستهلك تجربة ذاتيّة لا جمعيّة.

عرض الكاتب أيضًا مصطلح الهيمنة الثقافيّة (cultural hegemony) الّتي تعني في سياق العولمة “أمركة العالم ثقافيًّا”، إلّا أنّ جون تومبسن يعترف بقدرة المساحة الرمزيّة الّتي يخلقها المستهلك لانتقاد وضعيّته والتأمّل فيها، وبهذا تصبح الهيمنة الثقافيّة نوعًا من تحريك رياح التغيير. إلّا أنّ دافيد مورلي يستبعد قدرة المستهلك البسيط على المقاومة.

شرح الكاتب أيضًا مصطلح المراقب الّذي يرى كلّ شيء (Panopticon)، الّذي نحته جيريمي بينثام ليدلّ على قدرة الإعلام، وبتطوّر آليّات مراقبته

 فإنّ الخصوصيّة في خطر، بل نحن اليوم أمام مراقب أقوى من مراقب بينثام (Superpanopticon)، كما يذهب إلى ذلك مارك بوستر.

من جهة أخرى، هذا السلاح ذو حدّين، فحتّى المالكون للإعلام عراة ومكشوفون في عالم المراقبة، وما فضائح الرؤساء وأقوياء العالم إلّا دليل على ذلك.

يفرد الفصل الأخير للشابكة –الإنترنت- عبر مجموعة من التساؤلات (كانت الشابكة في بداياتها آنذاك في 1998)، ذاكرًا ما قد تؤول إليه هذه الشابكة. تحدّث عن الحرّيّة الّتي تعطيها، لكن هل ستكون مؤقّتة؟ وتحدّث عن تجاوز الفرق بين عالم حقيقيّ وعالم رقميّ، وتداخلهما؟ وهل ستجد الأقلّيّات صوتًا في هذا العالم الّذي يتجاوز الزمكان؟

لقد استمتعت بكلّ فصل من فصول هذا الكتاب، وأنصح كلّ الأصدقاء بقراءته، وأتمنّى خروج نسخة مترجمة له باللغة العربيّة؛ لأنّه كتاب نافع وممتع، يسلّحك بوسائل نقديّة في عالم يصعب فيه التمييز بين إعلام صادق، كاذب، ومدلّس.

يقع الكتاب في 281 صفحة، وهو للكاتب جيمس واتسن.