في إطار الفلسفة المَنْجَمِيَّة، نستخدم المجازات والاستعارات لاستخراج المعاني والأفكار من التجارب والنصوص، تمامًا كما ينقّب عمّال المناجم عن الموادّ الثمينة، ثمّ نستخدمها في مجالات أخرى. الفلسفة المَنْجَمِيَّة تسعى لفهم الظواهر المعقّدة من خلال تفكيكها واستكشاف عناصرها الأساسيّة. في هذا السياق، يمكننا استخدام مجاز الاكتئاب الفرديّ لفهم عمليّة التفكّك والفشل المجتمعيّ، وخصوصًا في المجتمع العربيّ.
المجتمع العربيّ يتميّز بتنوّعه “العرقيّ” و”الثقافيّ” والدينيّ، ويمكن النظر إليه بوصفه مجتمع أغلبيّات لا أقلّيّات. الأغلبيّة الإسلاميّة تشمل المسلمين من غير العرب، والأغلبيّة العربيّة تشمل العرب من غير المسلمين، وهناك أيضًا الأغلبيّة العروبيّة الّتي تضمّ الأقوام الشقيقة الّتي تنتمي للعروبة بمعناها الواسع. هذا التعدّد يمكن أن يكون مصدر قوّة وغنى ثقافيّ، لكنّه في نفس الوقت يمكن أن يكون مصدر تحدّيات كبيرة عندما يدخل المجتمع مرحلة حرجة، إذ يبدأ عندها بالتفكّك.
مثلما يعاني الفرد من الاكتئاب عندما يمرّ بمرحلة صعبة، تبدأ حلقة مفرغة من الضائقة النفسيّة تؤدّي إلى أفكار سلبيّة، تنتهي بانحسار الفعل وفشل يؤدّي إلى مزيد من الاكتئاب، يمكن أن نرى نفس النمط في المجتمعات الّتي تمرّ بمرحلة صعبة من الضغوط الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة. يبدأ المجتمع بالشعور بالضائقة الجماعيّة، تولّد الأفكار السلبيّة حول الهويّة الجمعيّة وقدرة المجتمع على النجاح، وتؤدّي إلى انحسار الفعل الجماعيّ، ممّا يؤدّي إلى الفشل ويعمّق التفكّك والفشل مرّة أخرى.
إنّ هذا التشابه حول فكرة الحلقة المفرغة يفرض علينا النظر في أسباب تجاوز الاكتئاب الفرديّ لنستقي منها طرقًا لتجاوز التفكّك المجتمعيّ. ولمعالجة الاكتئاب بطريقة فعّالة، يجب على الفرد أن يبدأ بخطوات عمليّة تشمل استشارة الخبراء في مجال الصحّة النفسيّة للحصول على التوجيه والدعم المناسب. الحوار المفتوح مع الأصدقاء والعائلة يمكن أن يساعد في تخفيف العبء العاطفيّ ويمنح شعورًا بالدعم والتفاهم. الحفاظ على النشاط البدنيّ والمشاركة في الأنشطة الترفيهيّة يمكن أن يكون له تأثير إيجابيّ كبير على الحالة النفسيّة. من المهمّ أيضًا الحفاظ على طقوس شخصيّة وروتين عمل منتظم، حيث يمكن لهذه الطقوس أن تضفي نوعًا من الاستقرار والهدوء على الحياة اليوميّة.
يجب على الفرد أيضًا أن يحتفي بالإنجازات الحديثة الصغيرة ويعتبرها خطوات إيجابيّة نحو تحقيق أهداف أكبر، فهذه الإنجازات تعزّز الشعور بالقدرة والكفاءة. بالإضافة إلى ذلك، التواصل المستمرّ مع الآخرين والمشاركة في الطقوس الجماعيّة يمكن أن يعزّز الشعور بالانتماء ويعيد بناء الثقة بالنفس. تعديل السرديّة الّتي نرويها عن أنفسنا يلعب دورًا حاسمًا في كيفيّة رؤيتنا لأنفسنا ولمستقبلنا، حيث يجب أن نركّز على الجوانب الإيجابيّة والتجارب الناجحة لتعزيز النظرة الإيجابيّة والمرونة في مواجهة التحدّيات.
عندما تبدأ المجتمعات بالتفكّك، تتفاقم الضغوط الداخليّة والخارجيّة، ممّا يؤدّي إلى ظهور الحركات التفكيكيّة الّتي تجد صدى واسعًا لسببين رئيسيّين: الأوّل هو محاولة التنصّل من الفشل الّذي لحق بالأمّة، والثاني هو مصلحة الأعداء والمنافسين في تفتيت جسم الأمّة. هذه الحركات تسعى إلى تقسيم المجتمعات وتمزيقها على أسس عرقيّة أو دينيّة أو ثقافيّة.
في المغرب، على سبيل المثال، نرى محاولات لإلغاء عروبة البلاد بحجّة الوجود الأمازيغيّ الجبليّ، وهو وجود تاريخيّ تزامن مع الوجود العربيّ البدويّ في البوادي منذ فجر التاريخ وحتّى قبل الإسلام. في مصر، تظهر الحركات الكيميتيّة الّتي تحاول فصل الهويّة المصريّة عن العروبة، مدّعية أنّ مصر ليست عربيّة. وفي العراق وسوريا، تسعى بعض الحركات الكرديّة إلى فصل الأكراد في طوق جبليّ، رغم أنّ هذه المناطق لا يمكنها الحياة بدون محيطها العربيّ الّذي يشاركها الأرض وسبقها في الوجود فيها.
هذه الحركات التفكيكيّة تجد دعمًا من القوى الخارجيّة الّتي تستفيد من ضعف وتفكّك المجتمعات العربيّة لتحقيق مصالحها. عندما تواجه المجتمعات هذه الحركات، تدخل في حلقة مفرغة من الفشل والتفكّك، حيث تؤدّي الضغوط الاجتماعيّة والاقتصاديّة إلى تراجع الهويّة الجمعيّة، ممّا يزيد من الفشل ويعمّق التفكّك.
للتعامل مع هذه الحلقة المفرغة، يجب على المجتمعات العربيّة تعزيز التوعية والإدراك الجماعيّ بأهمّيّة الهويّة المشتركة وقيم الوحدة والتضامن. من الضروريّ تعزيز الفعل الجماعيّ والمشاركة الفعّالة في الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة. كذلك، يجب دعم الهويّة الجمعيّة من خلال الرموز والطقوس المشتركة الّتي تعزّز الشعور بالانتماء، والتركيز على التاريخ المشترك والإنجازات السابقة لتعزيز الفخر بالهويّة الجمعيّة.
التواصل والتعاون بين الأفراد والمجموعات المختلفة في المجتمع هو أمر حاسم. يجب تعزيز الشبكات الاجتماعيّة والتعاون المؤسّسيّ لدعم المشروعات المشتركة وتحقيق الأهداف الجماعيّة. التدخّل المبكّر من خلال برامج وقائيّة ودعم نفسيّ واجتماعيّ يمكن أن يساعد في منع تفاقم المشكلات الاجتماعيّة والاقتصاديّة.
باستخدام هذه الاستراتيجيّات، يمكن للمجتمعات العربيّة كسر الحلقة المفرغة من الفشل والتفكّك، واستعادة التماسك والنجاح. الفلسفة المَنْجَمِيَّة، من خلال استكشافها العميق وتحليلها للمشكلات، توفّر لنا أدوات قيّمة لفهم هذه الديناميّات وتقديم حلول عمليّة للتغلّب على التحدّيات الّتي تواجه المجتمعات العربيّة. من خلال هذه المقاربة، يمكننا أن نفهم كيف تؤدّي الضغوط الفرديّة والجماعيّة إلى حلقات مفرغة من الفشل، وكيف يمكننا كسر هذه الحلقات من خلال التوعية، الدعم، والتعاون.
