تنتهج القوى الاحتلالية اغتيال القادة وتأليب الناس ضدّهم عن طريق العقاب الجماعيّ وما اصطلح عليه بـ “كيّ الوعي”، فما هي الاستجابة المناسبة لهذا النهج؟ قرأت عند الصديق “محمّد أحمد” كثيرا من الأفكار الواردة في هذا المقال حول الأخطبوط والإدارة، وقرّرت أن ألخّصها وأحاورها وألقّحها بفكرة أخرى وهي الجذمور، وأطبّقها على مشكلة حقيقية تواجهنا لكي لا تبقى في الإطار النظريّ حصرًا، وصديقي يصرّح أنّه اعتمد على أفكار وبحوث آخرين. على ذلك، فأغلب الأفكار الواردة في هذه المقالة ليست منّي وإنّما هي مستعارة من آخرين ولهم الحقّ الكامل بمنجزهم.

تشيع في اللغة تشبيهات مثل (فلان اليد اليمنى لفلان)، أو (إذا فعلت هذا فأنت كمن يطلق النار على رجله)، (أنتم العمود الفقريّ للحزب)، (رأس النظام) وغيرها ممّا يشي بأنّ الإنسان عندما صاغ البنية التنظيمية الأكثر شيوعًا، اعتمد على تشبيهه بالجسم الإنسانيّ، ومن ذلك قولهم (نحن جسد واحد) أيضًا، ولكنّه أيضًا اعتمد على فهمه للجهاز العصبيّ البشريّ في صياغة بنية نظامه المجتمعيّ أو منظّمته السياسيّة.
البنية الأكثر تقليديّة للتنظيم هي البنية الهرميّة، إذ يكون أعلى الهرم بعيدا عن الأرض، وتعمل الأجهزة والأفراد على تنفيذ رؤية رأس الهرم، الذي قد يكون لجنة مركزية أو قائدا أوحدَ أو سوى ذلك، كذلك فإنّ أجهزة أخرى تعمل كمستشعرات، وجميع أجهزة البنية التنظيمية تعمل عمل الحواس لتقديم التغذية الراجعة وتقارير الحال، حتّى لا يغيب عن العقل الوعي بواقع الحال، وهذا يتطلّب قيادة متفرّغة، وقد يحتاج إلى حلول لمشكلات يأتي بها هذا النظام: مثل فكرة تفويض المسؤوليّات التي تقدّم حلًّا لمشكلة اتّساع التنظيم وعدم قدرة القيادة على متابعة كلّ صغيرة وكبيرة فيه.
هذه البنية التقليدية للمنظّمات والدول تطوّرت كثيرًا خلال مسيرة الحضارة البشريّة، وهي ليست بالبساطة التي يقدّمها هذا التشبيه، لكنّها تطوّرت تحت هذا النموذج الذهنيّ، فحتّى عند التفويض يكون كلّ جهاز مكوّنًا من هرم تنظيميّ صغير. لكنّها ليست البنية التنظيمية الوحيدة الممكنة، وتقترح علينا الاكتشافات الجديدة في علم الأحياء نماذج مختلفة، وموضوع هذا المقال هو نموذج الأخطبوط.
مجاز الأخطبوط
بتبسيط أتمنّى ألّا بكون مُخِلًّا: الجهاز العصبيّ للأخطبوط مكوّن بطريقة مختلفة جدًّا عن الجهاز العصبيّ البشريّ. دماغ الأخطبوط أصغر بكثير، وتقتصر مهمّته على التنسيق بين الأجهزة العصبيّة المستقلّة لأذرعه وبقيّة أجهزته الحيوية. كلّ ذراع من أذرع الأخطبوط لديها جهاز عصبيّ خاصّ، قادر على قراءة الواقع واتّخاذ القرارات وتنفيذها بمعزل عن الجهاز العصبيّ المركزيّ الصغير نسبيًّا، غير أنّه يتواصل مع الجهاز المركزيّ من أجل التنسيق مع الأجهزة العصبية في بقيّة الأطراف.
حسنٌ، ماذا يعني ذلك بالنسبة للمؤسّسات البشريّة والتنظيمات المختلفة من الدولة إلى حركات المقاومة؟ يمكن البناء على هذا التشبيه، بتصميم نظام يكون فيه الأفراد وخلاياهم ولجانهم معرّضين لمسؤوليّة أكبر، وحرّيّة أكبر في اتّخاذ القرارات وتنفيذها، بشرط إعلام القيادة بما يلزم من معلومات من أجل تجنّب حدوث تضارب بين الجهود المختلفة في جسم هذا “الأخطبوط التنظيمي”.
مجاز الجذمور
الجذمور فكرة أخرى آتية من البيولوجيا وتحديداً من طريقة نمو بعض النباتات، حيث يشير المصطلح إلى نظام جذري يمتد أفقياً تحت سطح الأرض وينتج عن هذا الانتشار الأفقي نباتات جديدة من النقاط المتفرقة على طول الجذمور. في مجال الفكر والفلسفة، وخصوصًا في أعمال ديلوز وغاتاري، يستخدم هذا المجاز للإشارة إلى نوع من التنظيم أو البنية التي لا تحتوي على مركز أو هيكل هرمي ثابت، بل تتوزع السلطة والمعرفة والمسؤولية بشكل متساوٍ عبر شبكة من العلاقات المتكافئة.
الجذمور، إذًا، يأتي كنقد وبديل للتنظيمات الهرمية الصارمة. بدلاً من اعتماد الهياكل التقليدية التي تتميز بالقمة والقاع، الأمر الذي يجعل التنظيمات عرضة للهشاشة في حال تم استهداف أو إضعاف القمة، يعتمد الجذمور على مبدأ التساوي والانتشار الذي يسمح بالمرونة والتكيف مع التغيرات البيئية أو الاجتماعية بشكلٍ أكثر فعالية.
في عالم الأفكار، الجذمور يعبر عن طريقة تفكير لا تخضع للتسلسل الهرمي أو المنطق الخطي، بل تعمل عبر اتصالات وعلاقات متعددة الاتجاهات. يُسهل هذا نشوء أفكار جديدة من خلال التقاطعات والتفاعلات غير المتوقعة، مما يخلق مجالًا خصبًا للإبداع والابتكار.
تطبيق هذا المجاز على التنظيمات الاجتماعية أو السياسية يشجع على خلق بيئات تعاونية حيث يتم تشجيع المبادرات الفردية والجماعية بشكل متساوٍ، ويمكن للأفراد أو الخلايا أن تعمل بشكل مستقلّ، ولكن ضمن إطار من الأهداف المشتركة. هذا يعزز المرونة والقدرة على الصمود في وجه المحن والتحديات، كما يقلل من التبعية والهشاشة التي قد تنشأ من التركيز المفرط على القيادات أو النواة المركزية.
يرتبط مجاز الأخطبوط مع فكرة الجذمور بشكل وثيق، حيث إن كليهما يقترحان نموذجًا تنظيميًّا غير مركزي يتميّز بالمرونة والديمقراطية في صنع القرار. الجذمور، مثل شبكة جذور النباتات التي تمتد أفقيًا تحت الأرض، يُعتبر رمزًا للتنظيمات والحركات التي تُظهر المرونة والقدرة على النمو والتوسع بدون تركيز القوة أو السلطة في نقطة معينة.
في عالم النبات، الجذمور ليس له مركز ولا بداية ولا نهاية محددة، مما يجعله قادرًا على النمو في جميع الاتجاهات بكفاءة. هذا النوع من النمو يوفر مثالًا رائعًا لكيفية تنظيم الجماعات البشرية بطريقة تسمح بتوزيع السلطة والمسؤوليات بشكل متساوٍ وفعّال بين أعضائها.
تطبيق فكرة الجذمور على منظمات أو حركات المقاومة يقترح نهجًا حيث يمكن للخلايا أو الوحدات المختلفة أن تعمل بشكل مستقل، ولكنها متسقة مع الأهداف العامة للمنظمة. هذا يعني أن في حالة تعرض جزء من المنظمة للضرر أو الاستهداف، فإن بقية الوحدات يمكنها أن تواصل عملها بكفاءة دون الحاجة إلى توجيهات من مركز قيادة محدد. هذا لا يقلل فقط من المخاطر، ولكن يزيد من صعوبة تدمير أو تحييد المنظمة بالكامل من قبل القوى المعادية.
الجمع بين نظام “الأخطبوط التنظيمي” ومفهوم “الجذمور” يقود إلى تصميم مقاومة قادرة على البقاء والتكيف مع الظروف المتغيرة بفعالية. يسمح هذا النموذج بالابتكار والتجديد المستمر في أساليب العمل والتكتيكات دون الاعتماد على سلسلة قيادة صارمة ومركزية، مما يخلق مرونة وديناميكية تمكن المقاومة من مفاجأة العدو وتجاوز العقبات بشكل مستمر.
للتفريق بين نظام العقل الموزّع (الأخطبوط) والجذمور، علينا أن نتذكّر أنّ التنسيق في العقل الموزّع يكون عبر الجهاز العصبيّ المركزيّ الصغير، بينما في فكرة الجذمور يكون الاتصال مباشرة مع الأعضاء الأخرى، كما أنّ الأخطبوط أسرع في التصرّف، لكنّه معرّض أكثر للخطر أكثر، فالجذامير يصعب قتلها أو التخلّص منها، إذ إنّ أيّ طرف منها قادر على البدء من الصفر في تأسيس شبكة كبيرة جدًّا.
الأخطبوط الجذموري
الفكرة التي أسعى لها هنا هي إمكانيّة وضع إطار نظريّ لحركة مقاومة موزّعة الإدراك وجذمورية النموّ والانتشار في آن معًا، فهي قادرة دومًا على البدء من الصفر ويصعب قتلها، وهي على ارتباط عضويّ وثيق بما صار يسمّى “بيئة حاضنة”، بل إنّها تقريبا هي ذاتها البيئة الحاضنة، وفي الوقت نفسه تعتمد استراتيجية الإدراك الموزّع في بناء حركات المقاومة والأذرع العنيفة فيها، سريعة الاستجابة والعمل وعالية التنسيق كالجهاز العصبي للأخطبوط.
لا أدّعي بأنّ عندي كلّ ما يلزم لوضع هذا الإطار النظريّ، ولكن تشخيص ما أسعى إليه يسهّل التعرّف على عناصره عند مصادفتها أو التعرّض لها بأيّ صورة من الصور. والآن سأعدّد بعض الأفكار التي يمكن أن تدفع بهذا الاتّجاه.
المقولات التأسيسيّة
كلّ حركة لديها مقولات مؤسّسة تستند إليها، وهي قد تأتي من نصّ دينيّ، أو وهم مشترك، أو كلمات لزعيم حصيف، أو فيلسوف عالي التقدير. هذه المقولات تتطرّق إلى صفات الحركة كلّها، لا بدّ في حالة الحركة المقصودة أن تحوي أفكارًا تغطّي هذه المعاني:
- المقاومة مهمّة المجموع ومسؤوليّة كلّ فرد. | أي إنّ على كلّ فرد أن يحمل مسؤوليّة جعل المقاومة عملًا جماعيًّا.
- من يعي الفراغ عليه قادر على ملئه. | أي إنّه لا يجوز أن تعيب جهد غيرك ولا تسعى إلى الاجتهاد في عمل يخلو من هذا العيب.
- ابدأ من حيث أنت. | أي إنّه عليك أن تفعل شيئا الآن وهنا، في سبيل إحياء المقاومة الجماعيّة.
- الانفراد مقدّمة الاستفراد. | أي إنّ على الإنسان في المجتمع الذي يناضل ضدّ الاحتلال أن يكون ضمن جماعة، فإذا لم يجد مجموعة تناسبه عليه أن يؤسسها، وهذا يؤسّس للنفور من فكرة الشخص المفرد الذي لا يمثّل إلّا نفسه.
- العبرة بالمبادئ لا بالأشخاص. | أي إنّ فهم المبدأ والعمل به أهمّ من شخص القائد أو التابع.
- التكييف هدف التكيّف. | أي إنّك لا يجوز أن تتكيّف مع وضع دون أن يكون هدفك تكييف الواقع وتغييره لصالح مجتمعك.
- توقّف التعلّم موت، وتوقّف النقد موت. | أي إنّ للإنسان الواقع تحت الاضطهاد التزامًا بالتعلّم للبحث عن طريقة لرفع الظلم عن نفسه، وأنّ على الجماعة مهمّة مستمرّة بالتعلّم وطلب النقد وإبدائه والعمل على التحسين المستمرّ.
- استقلّ بذهنك واعمل مع غيرك. | أي إنّ علينا ألّا نقبل بالسيطرة على تفكير أحد، وعلينا ألّا نقبل بالانعزال عن الآخرين.
- مسؤوليّتي تجاه الآخرين هي مسؤوليّتهم تجاهي لو كنت مكانهم. | علينا أن نتعلّم الخروج من أنفسنا للتعاطف مع غيرنا وأداء واجب التكافل والتضامن.
- كلّ فعل مقاوم مقصود، كلّ كلمة رسالة. | علينا أن نكون قارئين ماهرين للآخرين في تصرّفاتهم وأقوالهم، مرسلين ماهرين لنوايانا عن طريق أفعالنا وأقوالنا.
- الحاضنة هي الخلايا الجذعية للجسد المقاوم. | كلّ ما ينقصك يمكن بناؤه من حاضنتك.
- أنت دائما المخطئ. | إدانة النفس والمجموعة القريبة قبل إدانة الآخرين والمجموعات البعيدة. تذكّر دائما كيف ساهمت بما تعيب.
- الطقوس والروتين ضرورات. | ليكون العمل منتجًا لا بدّ أن يكون ثمّة روتين وطقوس يؤدّى بها.
- الثوابت معلومات بالضرورة. | لا يجوز لفرد أن يكون جاهلًا بقائمة الثوابت التي علينا صياغتها بكثافة واختصار.
- لا ثابت غير الثوابت. | لا يجوز تصنيم أفكار خارج قائمة الثوابت الحقيقية، وكلّ ما هو ليس منها عرضة للتغيير والنقد.
- ما لا يزيد ينقص. | الحرص الدائم على التجديد والتطوير والتقوية والترسيخ مهمّة المجموع والأفراد.
النظام المعقّد المنبثق من مسلكية فردية بسيطة
حركة المقاومة التي نصفها هنا لا بدّ لها من نظام قواعد سلوك فرديّ قادر عند تعميمه على إنشاء نظام معقّد، مثل القواعد التي تحكم سلوك النمل والنحل وبقيّة المجتمعات الحيويّة.
شيفرة التواصل المتغيّرة ومستوياته المتعدّدة
لأنّه ليس ثمّة حركة مقاومة لا تخضع لمحاولات الاختراق المستمرّة من قبل عدوّها، فإنّ عليها أن تمتلك كلّ تقنية بدائية أو حديثة للحفاظ على التواصل بين المجموعات المتفرّقة، ويجب أن يكون هذا التواصل متعدّد المستويات، متغيّر في كلّ مستوى من مستوياته.
في الختام لا بدّ لي من التأكيد على أنّ هذا الحوار يجب أن يستمرّ ويثرى لأنّه ليس سوى محاولة للتفكير في حلّ ممكن لا يمكن أن تنضج دون أن يجري تداولها بين العقول التنظيميّة ولا سيّما الممارسون للعمل التنظيميّ.
