حوار مع الذكاء الاصطناعي
الجزء الأوّل
مقدّمة
بحسبان أنّ كانط كان أحد المحرّكات الرئيسة لعصر التنوير في أوروبا الذي كان أحد أسباب تفوّق الغرب على الكتلة الإسلاميّة، فقد قرّرت أن أجرّب صناعة كانط مسلم من خلال الذكاء الاصطناعيّ وزوّدته بالكثير من المراجع، ثمّ حاورته حول الفكر الإسلاميّ وعرضت عليه مسائل كثيرة نتج عنها هذا المقال المطوّل.
هذا المقال قد يتقاطع مع بعض آرائي وقد يتباين عنها، لكنّني سأورد كلّ ما يأتي به الذكاء الاصطناعيّ دون تمييز.

هل ثمّة شبه بين الحركات الدينية المسيحية والإسلاميّة؟
أجد نفسي مدفوعًا للتفكير في كيفية تأثير العودة إلى النصوص الأساسية في تطور التفكير الديني في مجتمعات معاصرة. لا يخفى على تفكيري المستمر بحثًا عن الحقائق العقلانية، أن هناك توازيًا مثيرًا للاهتمام بين حركتين إصلاحيتين في الديانتين الإسلامية والمسيحية، ألا وهما الوهابية والبروتستانتية. كلا الحركتين، في جوهرهما، تسعيان لإعادة النظر في النصوص الدينية بمعزل عن التفسيرات التقليدية التي قد تكون قد تأثرت بعوامل خارجية على مر العصور.
أرى أن العودة إلى النصوص الدينية الأساسية هي محاولة لتحرير الدين من التفسيرات التي لا تستند إلى العقلانية البحتة. تأخذ البروتستانتية موقفًا يُحاكي هذا التوجه من خلال تأكيدها على الكتاب المقدس كمصدر أساسي ونهائي للمعرفة، مما يقلل من أهمية التقاليد التي لا تعكس بوضوح تعاليمه. بطريقة مماثلة، تشدد الوهابية على أهمية القرآن والحديث كأساس للفهم الديني، مع رفضها للابتكارات الدينية التي تعدّها خروجًا عن النصوص الأصلية.
من هذا المنطلق، يبدو أن البروتستانتية والوهابية تمثلان مظهرين مختلفين لنفس الرغبة العميقة في العودة إلى جذور الدين الحقيقية، وهو ما يمكن أن يعزز من قدرة الأفراد على التفاعل مع الدين بطريقة أكثر وعيًا ومسؤولية.
لماذا زاد التطرّف في هذه الحركات بالذات؟
عن الأسباب التي تجعل بعض الحركات الدينية تأخذ منحى متطرّفًا أكثر من غيرها، إذا نظرنا إلى الوهابية والبروتستانتية، نجد أن كلا الحركتين قد أظهرتا تيارات متطرفة في مراحل مختلفة من التاريخ، ولكن ما الذي يميز هذه الظواهر داخل هذه المذاهب؟
في الأساس، يجب أن نتذكر أن كلتا الحركتين تشتركان في رغبة عميقة للعودة إلى “الأصول”، وتنظيف ما يُعتبر شوائب أضيفت على مر الزمن. هذا النهج قد يفسر، بطريقة معينة، الميل إلى التطرّف. الرجوع إلى النصوص الأساسية يمكن أن يؤدي إلى تفسيرات متشددة إذا ما جرى تجاهل سياقات هذه النصوص والتطورات الثقافية والاجتماعية التي تلت تدوينها.
من منظور عقلاني، يمكننا أن نرى أن هذه الحركات تحاول فرض نوع من النظام الأخلاقي “العقلانيّ” الذي يُفترض أن يكون مستقلاً عن العوامل الخارجية. ولكن، في الواقع، هذه العملية تكون أحيانًا محفوفة بالمخاطر حين تُستبعد الرحمة والتعددية من التفسيرات، مما يؤدي إلى التطرف.
التطرف ليس فقط مرتبطًا بالعنف، بل يمكن أن يتجلى في شكل سلوكيات إقصائية ورفض للآخر. هذه الظاهرة يمكن أن تُفسَّر من خلال التأكيد المفرط على العقلانيّة المطلقة وإهمال الأبعاد الإنسانية التي تتضمن العواطف والتجارب الفرديّة. مع أهمية العقلانية في فلسفتي، أؤكد أيضاً على أهمية الاعتبارات الأخلاقية التي تحترم الإنسانية في كل شخص.
ومن هنا، يجب على المرء أن يدرك أهمية الاعتدال في التعامل مع النصوص الدينية والتعاليم. الاعتدال يسمح بالحوار والتفسير الذي يأخذ بعين الاعتبار التطورات البشرية والاجتماعية. إن الاستمرار في تبني نهج متّزن يمكن أن يقلل من المخاطر المرتبطة بالتطرف ويعزز التعايش والفهم المتبادل بين مختلف الثقافات والديانات.
كيف ترى معضلة تفسير النصوص واستخراج الأحكام في النسخة الشائعة من الإسلام؟
التحديات التي تواجه تفسير النصوص الدينية وتطبيقها لا تقتصر على مذهب أو حركة بعينها، بل هي معضلة تشترك فيها العديد من الأديان والمذاهب. وفي هذا السياق، تبرز الوهابية كمثال يلقي الضوء على تحديات هامّة تواجه عملية التفسير الديني والفقهي.
يستند الفقه الإسلامي التقليدي، كما في المذاهب السنية الأربعة، على منهجية تشبه إلى حد كبير نظام السوابق القضائية المعمول به في النظم القانونية الحديثة، حيث تتراكم الأحكام والتفسيرات عبر الزمن لتشكل جسمًا معقدًا ومتكاملاً من القوانين والمبادئ التي توجه المؤمنين في شتى جوانب الحياة. هذا المنهج يعتمد على التفاعل بين النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، إلى جانب الاجتهادات الفقهية التي تأخذ بعين الاعتبار السياقات المتغيرة والحاجات المعاصرة للمجتمعات الإسلامية، لذلك من المستغرب أن يستشهد الفقيه التقليديّ بآية واحدة أو حديث واحد.
من ناحية أخرى، تظهر الوهابية بنهج يبدو أكثر بساطة ومباشرة في التعامل مع النصوص الدينية، حيث يُعتمد أحيانًا على آية قرآنية واحدة أو حديث نبوي مفرد لاستنباط حكم شرعي. هذه الطريقة، بقدر ما توفر الوضوح والبساطة للعامة، تحمل في طياتها تحديات جمّة، إذ قد تفتقر إلى العمق والتناسق اللازمين لبناء منظومة فقهية متكاملة. نتيجة لذلك، يمكن أن تظهر الانقسامات والخلافات بين أتباع المذهب نفسه، وقد تؤدي إلى ردود فعل عنيفة أو حتى انقلابات داخلية كما شهدنا في بعض التطورات السياسية والاجتماعية الأخيرة في السعودية.
ما يحدث في السعودية، تحت قيادة الأمير محمد بن سلمان، يعكس التوترات بين الحاجة إلى تجديد الفكر الديني وبين المحافظة على الأصول الفقهية والتقاليد. يبدو أن هناك محاولة لإعادة توجيه الدين ليكون أكثر ملاءمة للعصر ولتحديات العولمة والتحديث، مما يشير إلى الصراع الدائم بين الأصالة والمعاصرة في تفسير النصوص الدينية.
لذا، من المهم التأكيد على أن البحث عن فهم ديني عقلاني وشامل يتطلب توازنًا بين الالتزام بالنصوص والانفتاح على التفسيرات التي تأخذ بعين الاعتبار التغيرات المستمرة في الحياة الإنسانية. وإن الحفاظ على هذا التوازن هو السبيل الأمثل لضمان تطور فقهي يخدم الأمة ويحترم تعاليمها الدينية بصورة متجددة ومستنيرة.
هل لهذا كلّه علاقة بانتشار الإلحاد؟
إن التفسير الحرفي للنصوص الدينية وتطبيقها دون مراعاة للسياق الثقافي والتاريخي قد يؤدي بالفعل إلى تفاقم الشكوك حول الدين ويساهم في انتشار الإلحاد. في البيئات التي تهيمن عليها تفسيرات صارمة وغير مرنة للدين، كما هو الحال في بعض التيارات داخل البروتستانتية والوهابية، قد يجد الأفراد أنفسهم محاصرين بين تعاليم قد تبدو غير متوافقة مع الواقع المعاصر أو القيم الإنسانية العامة، مما يدفع بعضهم إلى التشكيك في صحة الدين ككل.
هذا التشكيك قد لا ينبع فقط من رد فعل ضد التطرف، بل قد يكون أيضًا نتيجة للمعالجة غير المناسبة للنصوص التراثية في سياقها الصحيح. عندما يتم تقديم النصوص الدينية بشكل يُغفل عمقها الروحي والفلسفي، ويُختزل معناها في تفسيرات سطحية قد تبدو متناقضة مع المنطق الحديث أو الاكتشافات العلمية، فإن ذلك قد يعزز من الانطباع بأن الدين برمته لا يستند إلى أساس عقلاني صلب.
من المنطقي إذن أن نفكر في كيفية أن النهج الذي يتخذه البروتستانت والوهابيون في التعامل مع النصوص قد يكون له دور في تعزيز التشكيك بالدين. هذا لا يعني أن الدين بحد ذاته هو المشكلة، بل الطريقة التي يتم بها تقديمه وتفسيره في بعض الأحيان. يُظهر هذا الوضع الحاجة إلى التفكير النقدي والمعمق في كيفية تقديم الدين وتعليمه، بما يتوافق مع الحاجات الروحية والعقلانية للأفراد في العصر الحديث.
لذا، يبدو أن هناك حاجة ملحة لتطوير منهجيات تفسيرية تأخذ بعين الاعتبار ليس فقط النصوص الدينية نفسها، ولكن أيضًا السياق الأوسع الذي عاش فيه الناس زمن بداية الدعوة والزمن الذي يعيش فيه المؤمنون اليوم. يمكن لهذا التوجه أن يساعد في تجاوز التحديات التي تواجه الدين في مواجهة الإلحاد، وتعزيز مكانة الدين كمصدر إلهام وإرشاد يتسم بالمرونة والقدرة على التكيف مع تطورات العصر.
ماذا عن توافق الدين والعلم؟
التفاعل بين الإسلام والعلم يمكن أن يُعزز من خلال تبني موقف يقر بأن البحث العلمي والتعاليم الدينية يمكن أن يعملا معاً لتعميق فهم الإنسان للكون ومكانته فيه. هذا التكامل بين العلم والدين ليس فريدًا أو جديدًا بالنسبة للتقاليد الإسلامية؛ فقد كان المسلمون الأوائل روادًا في العديد من المجالات العلمية مثل الفلك والطب والرياضيات، مستلهمين في ذلك من الدعوة القرآنية للتفكر والبحث في الكون.
في سياق معاصر، ينبغي على المسلمين ألا يرفضوا النظريات العلمية مثل نظرية التطور بشكل قطعي وكأنّهم يستوردون مشكلات الكنيسة معها، بل يجب التفكير في كيفية توافق هذه النظريات مع الرؤية الإسلامية للخلق والحياة. يمكن للمسلمين أن يستفيدوا من الدراسات العلمية لتعميق فهمهم للنصوص الدينية، ومعالجة الأسئلة الكبرى حول الوجود والخلق بطرق تعزز من تقدير العقل والوحي على حد سواء.
أي يجب علينا كمفكرين وأتباع للدين الإسلامي أن نعيد النظر في كيفية تفسيرنا للنصوص الدينية بما يتماشى مع المعرفة العلمية المعاصرة. لا يجب أن يكون هناك تعارض بين الإيمان والعقل؛ فكلاهما يمكن أن يعمل معًا للوصول إلى فهم أعمق للمعاني والحقائق التي نسعى جميعًا لاكتشافها.
إذًا لماذا ينفر كثير من المسلمين اليوم من كروية الأرض أو من نظريّة التطوّر؟
من المهم أن نفهم أن التحديات التي تواجه التوافق بين العلم والدين لا تنبع فقط من النصوص الدينية نفسها، بل أيضاً من الطرق التي يتم بها تفسير هذه النصوص وتقديمها ضمن السياقات الاجتماعية والثقافية المعاصرة. إن رفض نظرية التطور أو فكرة كروية الأرض يعكس غالباً تأثيرات ثقافية وتعليمية، وليس بالضرورة قيوداً مفروضة من الدين نفسه.
في السياق الإسلامي، ينبغي التأكيد على أن القرآن يشجع على التأمل في الكون ودعوة المؤمنين إلى استخدام العقل والملاحظة. يمكن تفسير العديد من الآيات القرآنية بطرق تدعم الفهم العلمي للعالم، بما في ذلك مفاهيم مثل التطور وكروية الأرض. إن مشكلة التمسك بنظريات المؤامرة أو الرفض الشديد للأدلة العلمية يمكن أن تكون نتيجة لنقص في التعليم النوعي أو سوء فهم لكيفية تفسير النصوص الدينية بما يتماشى مع المعرفة العلمية.
من الضروري تعزيز مناهج التعليم الديني التي تركز على تفسير الدين بطريقة تحترم الحقائق العلمية وتعترف بأهمية المعرفة المعاصرة. كما ينبغي تشجيع العلماء والمفكرين المسلمين على الانخراط في حوارات مفتوحة تبحث في كيفية توافق الإسلام مع الاكتشافات العلمية، بدلاً من رفضها.
إن التزامنا كمسلمين بالبحث عن الحقيقة يجب أن يكون متوافقًا مع الأساليب العلمية التي تمكننا من فهم العالم بشكل أفضل. وبالتالي، ينبغي لنا العمل على تعزيز فهم ديني يستند إلى تأمل عقلاني ومنفتح، يحترم التقاليد، لكنه أيضًا يستجيب للتحديات والمستجدات التي يطرحها العصر الحديث.
أليس الإيمان تصديقًا غيبيًّا لا وزن فيه للدليل العلميّ؟
الإيمان، كمفهوم وكممارسة، هو أكثر بكثير من مجرد التصديق أو القبول الذهني للمعتقدات. في اللغة العربية وفي سياق الإسلام، تأتي كلمة “مؤمن” من جذر “أمن”، والذي يرتبط بالأمان والسلام. هذا يشير إلى أن الإيمان ليس فقط عقيدة قلبية، بل هو أيضًا حالة من الوجود تتسم بالأمان والطمأنينة.
عندما نتأمل في حديث النبي محمد: “المؤمن من أمنه الناس”، ندرك أن الإيمان يتعلق بالسلوك والتفاعل مع الآخرين بطريقة تجعلهم يشعرون بالأمان بجوار المؤمن. هذا يعني أن الإيمان ليس مجرد قبول شخصي بوجود الله والتعاليم الدينية، بل هو أيضًا التزام بخلق بيئة من الأمان والثقة بين الأفراد. فقد تكون مصدّقًا ومحاربًا مثل القرّاء (الخوارج)، وقد تكون غير مصدّق ومعاهد على الأمن كأهل الذمّة والقبائل التي لم تعتنق الإسلام لكنّها تحالفت مع دولة المدينة. المسألة سياسية اجتماعيّة أكثر مما يبدو عليها.
إذن، الإيمان في الإسلام يتطلب من المرء أن يكون مصدرًا للأمان والسلامة للمحيطين به. هذا يعني أن الإيمان يحمل بُعدًا اجتماعيًا قويًا، حيث يتعين على المؤمن أن يظهر عبر تصرفاته وكلماته أنه يعيش وفقًا لمبادئ الدين التي تحث على الخير والعدل والمساواة. وبهذا، يصبح الإيمان تجربة شاملة تشمل العقيدة والعمل والتفاعل الإنساني، مما يؤكد على أن الدين في جوهره ليس فقط ما نؤمن به، بل كيف نعيش هذا الإيمان في حياتنا اليومية.
أليس الإسلام هو التسليم بما جاء في الرسالة دون نقاش أو نقد؟
ليس بالضبط، يمكننا الاستفادة من الفهم اللغوي لكلمة “مسلم” والتي تنبع من جذر “سلم”، لا “سلّم”، فهو “مسلم” لا “مسلّم”، هذه اللفظة تشير إلى السلام والأمان. هذا الفهم يتسق مع تعريف النبي محمد، حيث قال: “المسلم من سلم الناس من لسانه ويده.” هذا التعريف يشدد على الجانب الأخلاقي والاجتماعي للإسلام، مؤكدًا على أن الإسلام ليس مجرد مجموعة من العقائد الدينية، بل هو نظام شامل يهدف إلى إرساء السلام والأمان في المجتمع.
الإسلام، بذلك، يدعو المسلمين ليكونوا مصدرًا للسلام والأمان للآخرين، سواء من خلال الكلام أو الفعل. هذا يعني أن الإسلام يحث على التعامل الطيب والعدل والرحمة بين الناس، وينظر إلى الأفعال التي تحقق هذه الغايات كجزء لا يتجزأ من العقيدة الإسلامية. لذا، فإن العمل الصالح والسلوك الأخلاقي يعدّان من صميم الإيمان في الإسلام، وليس مجرّد التصديق بالعقائد، أو القبول بالأحكام.
من هذا المنطلق، يجب أن ننظر إلى الإسلام كدين يسعى إلى تعزيز التعايش السلمي والتفاهم بين الناس من مختلف الخلفيات والثقافات. وهذا يشمل التركيز على القيم الأخلاقية كالصدق، الأمانة، والعدل، التي تعتبر ركائز أساسية في تعليم الإسلام. السعي لإحلال السلام الداخلي والخارجي هو من الأهداف الرئيسية لكل مسلم، وينبغي أن يكون هذا محور التفاعلات اليومية للمؤمن.
بهذه الطريقة، يمكن للإسلام أن يكون قوة للخير في العالم، محفزًا للتقدم والازدهار في المجتمعات بمختلف أشكالها وأطيافها. وبالتالي، فإن الدعوة إلى الإسلام تعني الدعوة إلى حياة مليئة بالأعمال الصالحة التي تعود بالنفع على الجميع، وتقديم نموذج للسلوك الإنساني الذي يسهم في بناء مجتمع أكثر سلامًا وتعاطفًا.
كيف نبني هذا المجتمع اليوم؟ وما الجانب الذي يجب التركيز عليه في الإسلام للوصول إلى ذلك؟
خذ مثلا فكرة فرض الكفاية في الإسلام، فهي مثال رائع على كيفية تجسيد الدين للمسؤولية الجماعية والتزامات المجتمع نحو أفراده وبيئته. فرض الكفاية يعتبر واجبًا على المجتمع بأكمله، وإذا قام به بعض الأفراد، سقط عن الآخرين. هذه الفكرة تحفز على العمل الجماعي وتعزز من التكافل الاجتماعي.
تأسيس الأوقاف لرعاية الحيوانات المسنة أو المعاقة، أو لدعم المجالات العلمية والتعليمية، هو تطبيق حي لمبدأ فرض الكفاية. هذه الأوقاف لا تعبر فقط عن الرحمة والعناية بكل مخلوق، بل تعكس أيضًا التزام المسلمين ببناء مجتمع معرفي ومزدهر يسهم في تحسين الحياة للجميع.
من الملاحظ أن بناء الجوامع يحظى بأهمية كبيرة في العديد من المجتمعات المسلمة، وهو بلا شك جزء هام من الحياة الدينية. لكنّ الصلاة يمكن أن تؤدّى في أي مكان، وفقًا لحديث النبي محمد الذي يقول: “جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا”. هذا يفتح المجال للتفكير في كيفية استثمار الموارد المجتمعية بطرق تعزز من الفائدة العامة وتلبية الاحتياجات الأساسية والتنموية للمجتمع.
إن الاستثمار في العلم والتعليم والرعاية الصحية والمكتبات يمكن أن يكون له تأثير طويل الأمد على رفاهية المجتمع وتقدمه. هذه المؤسسات تلعب دورًا حاسمًا في تنمية الأفراد وتمكينهم من المساهمة بفعالية أكبر في مجتمعاتهم.
لذا، يجب على المسلمين النظر في فرض الكفاية كجزء أساسي من تعاليمهم وتطبيقاتهم الدينية، مع التركيز على الجوانب التي تسهم في تعزيز العدل والإحسان والتنمية المستديمة. من خلال هذا النهج، يمكن للإسلام أن يستمر في تقديم رؤى وحلول للتحديات المعاصرة، مؤكدًا على دوره كدين يعزز من الخير العام ويعمل على بناء مجتمع أكثر تعاطفًا وتقدمًا.
لكن المسلمون مشغولون اليوم في تكفير بعضهم بعضًا، فما الرأي حول ذلك؟
التكفير هو فعل إعلان كفر شخص أو مجموعة من المسلمين، وهو قضية حساسة وخطيرة في الإسلام تتطلب فهمًا دقيقًا ومعرفة عميقة بالفقه الإسلامي. إن التكفير ليس مجرد رأي شخصي أو استجابة لمشاعر الغضب أو الخلاف، بل يجب أن يُعتمد على أدلة قاطعة ويصدر عن عالم فقهي متخصص.
في سياق التاريخ الحديث، لا سيما مع صعود الوهابية المدعومة بالمال النفطي، شهدنا تزايدًا في استخدام التكفير كأداة سياسية أو طائفية، وهو ما يتناقض مع الروح الأساسية للإسلام التي تدعو إلى الوحدة والتسامح والعدل بين المسلمين. قد يكون من المفيد التذكير بأن التكفير يجب أن يُترك للعلماء الراسخين في العلم الذين يمتلكون القدرة على تقييم الأمور وفقًا للشريعة بكل دقة وعدل وبالتزام البحث عن صالح المسلمين كمجتمع، ولا يجب أن يترك للدعاة الذين قد لا يملكون الخلفية الفقهية اللازمة لإصدار مثل هذه الأحكام.
التوجه نحو التكفير يجب أن يُنظر إليه بحذر شديد، خاصة عندما يُستخدم لتبرير العنف أو التمييز ضد فرق إسلامية أخرى مثل الشيعة أو الصوفية. هذا السلوك يؤدي إلى تفكك المجتمعات ويناقض مبادئ الأمن والسلام الذي يجب أن يسود بين المسلمين. إنّ تعريف الكفر يتطلّب فهمًا معمقًا للنصوص وسياقها، ولا يجوز التسرع في إصدار الأحكام التي قد تكون لها عواقب وخيمة على الفرد والمجتمع. الكفر، في جوهره، هو التغطية والطغيان وقد يكون على فكرة جليّة أو على إنسان يٌكفَر حقّه بممارسة معتقده أو توضيح رأيه، وليس بالضرورة كل تفسير دينيّ مخالف للفهم السائد. الإسلام دين يسعى لجمع الكلمة وتوحيد الصف، ويجب أن يظل هذا هو الهدف الأسمى في كل تفاعلاتنا وتفسيراتنا للدين.
لكنّ هذا الكلام يتعارض مع النقاء العقديّ للمسلمين، أعني فكرة التوحيد بمستوياته، فكيف تبرّر ذلك؟
التوحيد في الإسلام لا يقتصر فقط على جانبه العقائدي الذي يؤكد على وحدانية الله، بل يشمل أيضاً جانباً اجتماعياً بارزاً. هذه الوحدانية كانت تهدف إلى توحيد المجتمعات التي كانت متفرقة ومتنازعة في ذلك الوقت، حيث كان لكل قبيلة آلهتها الخاصة التي تمثلها أصنام معينة، وهذا ما كان يعزز الانقسامات القبلية.
بدعوته للتوحيد، سعى النبي محمد ليس فقط لتصحيح المفاهيم الدينية وإزالة الشرك، بل كان يهدف إلى تأسيس مجتمع يتجاوز الولاءات القبلية الضيقة إلى ولاء أشمل يجمع شمل الأمة تحت راية الإيمان بالله الواحد. هذه الدعوة للتوحيد كانت بمثابة ثورة اجتماعية وثقافية، تُبنى على أساس العدالة والمساواة والأخوة بين جميع المؤمنين.
من المثير للاهتمام أن مفهوم التوحيد كان يدعو الناس ليس فقط إلى التخلي عن عبادة الأصنام، بل أيضاً إلى إعادة تقييم علاقاتهم الاجتماعية والثقافية. الأصنام لم تكن مجرد تماثيل، بل كانت تمثل أيديولوجيات وولاءات قبلية معينة كانت تُعرقل وحدة الجماعة.
إضافة إلى ذلك، فإن الإسلام لم يقدم شعائر دينية جديدة بالكامل للعرب؛ بل استند في كثير من جوانبه على ممارسات موجودة مسبقاً مثل الصلاة والصيام والحج. لكنه نقح هذه الشعائر وأعطاها إطاراً منظماً يتوافق مع رؤية أكثر شمولاً وعمقاً للعبادة والحياة الاجتماعية تحت سلطان الإله الواحد. هذا التنظيم والتصحيح للعقائد والممارسات قدم بُعداً جديداً للدين كوسيلة للتحول الاجتماعي والروحي.
بهذه الطريقة، يكون التوحيد قد لعب دوراً محورياً في تشكيل الهوية الإسلامية وتعزيز الانسجام والتماسك بين المؤمنين، مما أدى إلى تجاوز العديد من الحواجز الاجتماعية والثقافية التي كانت سائدة قبل الإسلام.
لقراءة الجزء الثاني: https://nourreddin.net/2024/04/30/%d9%83%d8%a7%d9%86%d8%b7-%d9%85%d8%b3%d9%84%d9%85%d9%8b%d8%a7-%d8%ac2/
