لماذا لا أصدّق كلّ منتقدي “الردّ الإيرانيّ”؟ ولماذا لا أحمل كلامهم محملَ الجدّ؟
بصراحة أنا لا أعتقد أنّ مجادلة الإنسان الذي وضع نفسه في جهة أمر فعّال، وقد نشرت على مدوّنتي سابقًا ترجمة لمقال اسمه “هذا المقال لن يغيّر رأيك” ها هو رابطه: https://shorturl.at/cisvY
كما أنّني قلّما أناقش جماعة نظريّات المؤامرة سواء كانت مؤامراتهم حول مرض كورونا أو أقلّ أو أكبر، وإذا حدث أن ناقشتهم، فأنا أحاول تعليمهم شيئا جديدا، لا مصادمة معتقداتهم التي سيتكفّل التنافر الإدراكيّ بالحفاظ عليها، مثل هذا المقال حول “من الذي يتحكّم بالسياسة الدولية؟” وها هو رابطه: https://shorturl.at/xOTVW
أمّا اليوم، فنحن أمام حالة جديدة، يتعرّض جزء منّا للإبادة، فتردّ المناطق المنضوية تحت المحور الذي تتقدّمه إيران: يشارك جنوب لبنان في إشغال آلة الحرب لدى الكيان، ويشارك شمال اليمن بتعطيل أهمّ الموانئ في الكيان، وتشارك فصائل المقاومة الشعبية العراقيّة، وتتّخذ إيران خطوات في دعم التحرّر الوطنيّ تستوجب الردّ عليها من الكيان، وهذه الخطوات هي ردّ بذاتها على عدوان الوجود الذي يمارسه الكيان، ثمّ حين يأتي الردّ من الكيان باغتيال شخصيّات محوريّة في محور المقاومة بقصف أرض إيرانية هي أرض سفارة إيران في دمشق (نعم، كما سمعت: أرض السفارات تعود لدول السفراء)، ينبري كثير من الخلق بدوافع مختلفة للتقليل من شأن الردّ الإيرانيّ.
.
خلال هذا المقال سأتناول أنماط هذا الهجوم، وسأعرض هذا الهجوم على ميزان المنطق البارد، ثمّ أتطرّق إلى دوافعه المحتملة.
.
أنماط مهاجمة الردّ الإيرانيّ:
.
- المسرحيّة، والهجوم الشكليّ:
يقوم هذا النمط على افتراضات تقول: ثمّة قنوات ما مفتوحة بين الكيان وإيران (لا يوجد شيء مثل هذا فلا وجود حتّى لقنوات مباشرة مع الولايات المتّحدة)، إيران والكيان لديهما مصلحة مشتركة في إخماد أي نهضة عربية (الحكّام في إيران اليوم من بعد الثورة هم جماعة غير عنصرية وليسوا كالفرس المتعصّبين الليبراليين الذين كانوا أيّام الشاه)، ملّة الكفـ.ـر واحدة ولذلك فالشيعة الكفّـ.ـار والصهـ.ـاينة الكفّار على قلب واحد (هذا طبعًا كلام تافه من عدّة وجوه، فالتكفير حكم فقهيّ يتحرّج منه الفقهاء ويبتعدون عنه وقد قال ابن عابدين في عقود رسم المفتي: وكلّ قول جاء ينفي الكفرَ… عن مسلم ولو ضعيفًا أحرى”، ثمّ إنّ هذا الكلام يخرج الحديث عن معناه، وهو حصر جماعة المؤمنين وإبعادهم عن كلّ حلف يكون ضدّ أحد منهم)، قصف مناطق خالية (خبر مكذوب وقد رأينا بأمّ أعيننا الصواريخ تقع على مناطق مضاءة غير خالية).
.
نكمل ركائز هذا النمط من الحجج: الإبلاغ من أجل الإخلاء (الإبلاغ حصل فعلا ولكن ليس للصهـ.ـاينة لكن للأنظمة العربيّة لكي تطمئنّ لكون هذا ليس هجوما عليها، فإذا كانوا هم بلّغوا أو تعاونوا فهذا شأنهم. وثمّة نقطة أخرى هنا وهي استعراض عدم إمكانية الاستقواء ضدّ إيران بالخليج العربيّ وبكون أمريكا ذات نفوذ أقلّ بالفعل، وقد أبلغت دول خليجية أمريكا بعدم إمكانية مهاجمة إيران من أرضها)، الهجوم مسرحيّة لاكتساب الشعبية بين العرب (يبالغ هذا الرأي بتقدير أهمّيّة الجمهور العربيّ الذي لا تبالي دوله به، ولا يبالي هو بنفسه) محاولة لنشر المذهب الشيعي (المذهب الشيعي مذهب عربيّ نشره عرب الأحواز في إيران، وهو نفوذ لنا عليهم، لا نفوذ لهم علينا. وهو يملك من أسباب القوّة الخطابية والسردية والفلسفية ما يغنيه عن محاولة نشره بالصواريخ، وأي طفل إيراني كان يمكن أن يرى ارتدادات هذا الهجوم على المذهب من محاولة جرّ المنطقة إلى حرب أو ما إليه من كلام).
.
- تأخّر الانتصار لغزّة:
هنا يعرّض المهاجمون بأنّ هذه الصواريخ لا تعني شيئا لأنّها تأخّرت نصف سنة عن وقتها.
في الحقيقة كل المحور كان انتصاره لغزّة سريعًا، ولم يتوانوا في شيء، أمّا فتح الحرب الشاملة فهم مصرّون على أنّها ليست أفضل خيار بناء على نقاش طويل يعرضه المحلّلون القريبون من حزب الجنوب اللبنانيّ والجهات الأخرى من محور المقاومة. وذلك لأنّ الكيان بحاجة لهذه الحرب الشاملة ليتلقّى الدعم الكلّيّ من الغرب، وموازنة كيفية مهاجمته دون استجلاب التدخّل الغربيّ بالثقل الكلّيّ أمر استراتيجيّ مهمّ في الحرب الطويلة ومعاركها المحدودة. وحتّى في هذا الردّ هم كانوا حريصين على عدم تحوّل ردّهم إلى حرب شاملة، لأنهم يخسرون عندها ما يهدّدون به.
.
- الهجوم فاشل:
بعد الاستشهاد بإعلام العدوّ سواء كان من الكيان أو الغرب، يفضي المهاجم إلى نتيجة أنّ هذا الهجوم فاشل.
في الحقيقة الفشل والنجاح ليست صفات مطلقة، ولا بدّ من التصريح بالهدف حتّى نعرف هل نجحت فعلة ما أو فشلت، وهؤلاء لا يعرفون أهداف هذا الهجوم، فهل هو لإرسال رسالة إلى الغرب؟ أم هو لإرسال رسالة إلى العرب؟ أم هو لإرسال رسالة إلى الكيان؟ أو كلّ ذلك؟ وما هي الرسالة؟ أم هو لإحداث أضرار محدّدة جدًّا؟
الحكم هنا أنّ أهداف الهجوم ونتائجه غير معلن عنها، لأنّ إعلام العدوّ يكذب بملء فمه: يكذب حول ممارساته، يكذب حول ممارسات من يعتدي عليهم، يكذب حول من يردّون على اعتداءاته، يكذب حول خسائره البشريّة.
.
- تأخّر وصول الصواريخ:
قد يظنّ البعض أنّ الصواريخ البلاستية تتحرك بسرعة الضوء مثلا، أو أيّ شيء من هذا القبيل، أو أنّ الأجواء الإيرانية غير مراقبة من قبل الأعداء، فيتعرضون على أن الضربة لم تكن مفاجئة، هذه ليست هجوما بسيارة مفخخة، هذا هجوم من صاروخ يصل إلى ارتفاع كبير في الغلاف الجوّيّ ثمّ يتحرّك حسب إحداثيّات هدفه، وهو يأخذ وقتًا طويلا ليقطع قرابة الألف ونصف الألف كيلومترا من مكان إطلاقه حتّى هدفه، فأي سخرية من سرعة الصاروخ تافهة.
.
- إعادة دور الضحيّة للكيان:
هذا الهجوم على الردّ الإيرانيّ هو الهجوم الوحيد الذي يحاول أن يكون منطقيا، لكنّه يفشل. في الحقيقة الواقع يكذّب ذلك، فمناصرو القضية الفلسطينية حول العالم لن يتحوّلوا إلى تأييد الكيان لأنّه يتعرّض للقصف الصاروخي. وهم لم يفعلوا ذلك، بل هاجموا الجهة المقابلة بصورة أشرس، ولذلك فإنّ من يقول ما يقول قد يكون لا يرى غير دعاة التعايش، مع أنّ أكثر مناصري فلسطين ليسوا من دعاة التعايش الكاذب (وأنا أتكلّم عن اليهود والغربيين وكل الجيل الصغير في العمر).
هذه أبرز الأنماط مع عرضها على المنطق البارد، والآن دعنا نتساءل عن دوافعها، أي لماذا يقول بها من يهاجمون الردّ الإيرانيّ؟
- الرهبة من التغيير: ستجد أنّ أكثر هؤلاء من الستاتسكوب-المستفيدون من الوضع القائم، ولذلك فهم يحاولون الحفاظ على البيئة التي تفضّلهم أو تأقلموا معها وبرعوا في ذلك دون أن يطرأ عليها تغيير، وكلّ تغيير مكروه.
- الحاكوم: وجود جهاز التحكم عن بعد بهذا الشخص وآرائه وأفكاره في درج في مكتب في دائرة ما وعدم قدرته عن التفكير لنفسه.
- التبرير للنفس: إذا كان عربيًّا فخورًا فإنه سيجد نفسه في مأزق، فلماذا تستطيع هذه الدولة التي ضحّت بالرفاه والتقنية المستوردة أن تردّ وهو لا يستطيع أن ينبس ببنت شفة؟ هذا نوع من الالتفاف من أجل التبرير لنفسه.
- الانسحاق الكلّيّ أمام الغرب: هذا نجده لدى الكمبرادور والطبقات البرجوازية الرثة التي تتطفّل على الحضارة الغربية وتتنصّل من هويّتها، ولذلك فهم يحرصون على التعليم الغربي واللغة الغربية، ببساطة هؤلاء لا يحتملون فكرة أنّ هذا الغرب ليس إلهًا قادرا على كلّ شيء.
- التبعية للإعلام الناطق بالعربية: كثير من الناس ضعاف العقول ويتبعون الإعلام الناطق بالعربية سواء كان دوليًّا أو خاصًّا (وهو شيء غير موجود بالكامل)، ولذلك فهم ببساطة لا يعرفون كيف يفكّرون وتفكّر لهم الجزيرة أو العربية أو غيرها، خصوصا وأنّهم أشربوا عداء متجدّدا لإيران بعد حبّهم لصدّام، بسبب دعمها للدولة السورية التي أظنّها ستظلّ تعرضه وتقدّمه حتّى لو تغيّرت خارطة القوى فيها، وهؤلاء موتورون، وكان من الممكن أن يكونوا خونة لبلادهم لو تعرّض جيشها للشيطنة.
- الطائفية: وهو السبب الحقيقي والأكثر وجاهة، هؤلاء طائفيون مصابون بعقدة جنون عظمة (أعراضه الرهاب من التآمر وتضخيم الذات)، وهم ضحايا حملة هي الأضخم في تاريخ الأيدولوجيا، حملة ترويج الوهّابيّة التي كلّفت خلال سنين مبالغ لا يمكن إحصاؤها.
- تخفيف الدمّ: وهذا مثل كوميدي هنا وخفيف دم هناك يقلّل من شأن هذه الخطوة التي تمثّل مفصلا كما يمثل السابع من أكتوبر مفصلا، فهي لها ما بعدها الذي يختلف عمّا قبلها، أو على الأقلّ هذا ما كانت تحاوله.
يستبعد أن يصل أيّ من مهاجمي إيران حتّى هنا في القراءة، فإذا وصل أحد منكم إلى هنا، فإني أتمنّى أن يعفيني من محاولاته ليكون “أسد السنّة” أو “القاطع البتّار في الردّ على الشيعة والأنصار” أو غير ذلك من أمنياته، فأنا أكرر ما ورد في المقال الذي أوردت رابطه (هذا المقال لن يغير رأيك)، لكنّي ألتمس منكم شيئا آخر: إذا كنتم لا تستطيعون مهاجمة وكيل وزارة في بلدكم، فلا تنجرفوا لشتيمة رؤساء أو أمراء أو حكّام بلاد شقيقة، وليعرف كلّ منا حجمه، وليلزم أدبه.
