رسالة إلى “الإخوان” في الأردنّ

بعد السابع من أكتوبر المجيد، انتقل مكان الاعتصام عندكم من الجامع الحسينيّ الذي كنتم تكاثِرون عنده؛ لأنّه بطبيعة الحال مكان تسمح الدولة بالازدحام فيه يوم الجمعة، إلى رصيف الكالوتي الّذي بقيت فيه جمعيّة المناهضة وغيرها من حزب الوحدة والشيوعيين…إلخ، سنوات طويلة تنتظر أن تساندها قوى شعبيّة أخرى في وقفتها غير الموسميّة. فلم يفهم القوميّون أنّكم تركتم ما أنتم عليه وتبعتوهم، ويتوقّع منكم أن تفهموا أنّ مناصرة القوميّين و”الشبّيحة” كما سمّيتموهم زمنًا وغيرهم من القوى، ومثلهم الشارع الأردنيّ بأطيافه كاملًا، للسابع من أكتوبر وغزّة والمقـ.ـاومة الإسلامية “حمـ.ـاس”… أن تفهموا أنّ هذا لا يعني أنّهم تركوا ما هم عليه وتبعوكم.


.
إنّ اتّحاد القوى الوطنيّة والقوميّة واليساريّة في الأردنّ وراء مطلب واحد معكم، ولو تأخّرتم عنه زمنًا، فيجوز أن نقول “اتّحادكم معهم…”، لهو أمر في مصلحة الأردنّ، وفي مصلحة العرب والمسلمين.
.

وإنّكم تعلمون أنّ المسألة ليست فقط فيما يحدث في الأردنّ، وأنّ الشباب الحزبيّين والناشطين وعموم الشباب المتظاهرين يطمحون من اعتصامهم هذا أن يستنهضوا همّة الشعوب العربيّة، إلى جانب فتح الباب أمام الساسة في الأردنّ للتصعيد إذا رأوا ما نحاول أن نريهم من مصلحة كامنة في التصعيد ضدّ الكيان شيئا فشيئا، حتّى يكتسب الموقف زخمًا عربيًّا أو إسلاميًّا، يمكن للأردنّ فيه أن تقود مواجهة أيًّا كان شكلها تكفّ البطش الصهيـ.ـونيّ عن أهلنا في غزّة، وتوقف الإبادة في سبيل تحقيق المكاسب السياسيّة للنصر العسكريّ الذي تحقّق في السابع من أكتوبر.
.
إذن، نحن لن نكون من “جماعة الإخوان”، وأنتم لن تتركوا كونكم من “جماعة الإخوان”، وبناءً على ما تقدّم فإنّه ليس من مصلحة مطلبنا المشترك أن تلقوا على اعتصام الكالوتي صبغة إخوانيّة، فهذا خليق بأن ينفّر كثيرا من الشارع الأردنيّ عن الاعتصام، ويفتح الباب على مصراعيه لمهاجمته بصفته ذا أجندة خارجيّة، وولاء غير أردنيّ من جهة، ويصعّب مهمّة رفاقنا في الدول العربيّة الّتي لا تحظى جماعة الإخوان فيها بالتأييد، بل وإنّ فيها عداء واضحًا لكلّ ما هو إخوانيّ من الجهة الأخرى.

.

هذا اختبار حقيقيّ لكم: فإذا تركتم المظاهر الإخوانيّة جانبًا في سبيل إنجاح الاعتصام في أهدافه المذكورة، فإنّكم انتصرتم على الإيغو، وانتصرتم لغزّة، ولحماس التي أعلنت منذ سنوات انفصالها عن الإخوان لأنّها رأت المصلحة في ذلك، وإذا تمسّكتم بهذا السلوك فإنّكم لم تعدوا أن تقولوا للشعوب العربيّة: نحن لا نتعلّم، وللساسة العرب: أنتم بحاجة أن تزيدوا من الدعاية المضادة للإخوان، وأن تضيّقوا على الجميع.
.

فما المظاهر الإخوانيّة التي أقصدها:
1- رفع أيّ راية أخرى غير راية الأردنّ والعلم الفلسطينيّ، وبقية رموز المقاومة من مثلّث وملثّم وسواها.

والكاميرا توثّق أنّ فعاليّة العقبة مثلا كانت فيها أعلام الإخوان ترفرف أكثر من علم الأردنّ، على النقيض من اعتصامات كلّ القوى الأردنيّة التي كانت تحرص ألّا ترفع رايات انتماءات ضيّقة.

2- الهتافات الإخوانيّة التي تضفي على الصراع صبغة دينيّة خالصة، وقد علمتم أنّ الصراع وإن كان له تمظهر دينيّ فهو صراع جغرافيّ سياسيّ بين أقوام، وقد يستخدم الدين ضدّنا فيه، كما رأيتم من عدد من وعّاظ السلاطين.
3- شيطنة الدولة وأجهزتها، وأنا هنا أعلم أنّ ممارسات الأجهزة الأمنيّة ليست ملائكيّة، لكنّها نابعة من تقدير موقف حول الوضع في الأردنّ، وقدرة الأردنّ على المواجهة منفردًا دون شراكات عربيّة، وكفّ يد الدول العظمى عن التدخّل في الصراع غير المتكافئ. ولا ألومكم هنا لومًا خالصًا، فإنّ الأجهزة لم تدر الساحة كما يجب، وبقيت تعتقل كلّ القيادات الشبابية، ولعلّها تريد أن يرى الشعب أنّ هذه فعاليّة إخوانيّة فيسهل فضّهم عنها.
4- مظاهر منقولة من حقبة الربيع العربيّ من تسمية أيام الجمعة، ونقل هتافات المتمرّدين في سوريّا، الذين رأى العالم كلّه كيف أنّهم كانوا لا يصلحون لقيادة مجتمع، بل وأنّهم قد يكونون هم بذاتهم _لا بما يجلبونه_ خطرا عليهم، وعلى معاشهم.

5- مشهد القسم، وهذا سأفرد له حديثا منفصلا، ولكنّي أتحدّث عن مشهد رفع الأيدي بطريقة تذكّر بألمانيا الهتلريّة (أعرف أنّكم ترفعون سبّاباتكم أو شواهدكم وأنّه ليس مشهدًا من فيلم عن الحرب الأوروبية الكبرى الثانية، لكنّني أتحدّث عن روح المشهد حيث يحفظ الجميع قولًا يُسألون عنه)، وإجابة الجموع لسؤال الممسك بمكبّر الصوت: “غايتكم؟ الله/ رسولكم؟ محمّد/ دستوركم؟ القرآن/ سبيلكم؟ الجهاد/ أسمى أمانيكم؟ الموت في سبيل الله”.

بخصوص مشهد القسم، أقول: القرآن كتاب المسلمين منّا. نعم، هذا لا خلاف عليه، ولكنّ فينا غير المسلمين، وفينا من المسلمين مذاهب ومدارس مختلفة، لا يحسمها الاستشهاد بالقرآن، ولذلك فالقرآن بكونه حمّال أوجه، تأخذ منه الأفهام على قدرها، لم يكن دستورًا لأيّ من الحقب الإسلاميّة، فلم يكن دستور الراشديين ولا الأمويّين ولا العبّاسيّين ولا أحبابكم الأتراك. راجعوا التاريخ جيّدًا، وتعلّموا دينكم فالذي كان أقرب للدستور هو المدارس الفقهيّة التي حاربتموها أنتم والوهّابيون إذ قمتم تستشهدون بالآية والحديث وقد لا تحسنون استنباط الحكم منهما، فليس فيكم مجتهد مطلق أو مجتهد منتسب، وهذا ممّا لا نزاع فيه، ولكنّني أزيد: وليس فيكم متفقّه في الدين على الحقيقة.

ودستورنا هو دستور المملكة الأردنيّة الهاشميّة.

أمّا عن كون الجهاد هو السبيل، فالجهاد كما تستخدمونه بمعنى القتال لم يكن وحده سبيل الرسول أو الصحابة، وقد كتب عليهم وهم كره لهم، كما كتب علينا وهو كره لنا، فنحن لسنا “شرّيبة الدم” كما يقول الهتاف الشهير، ولسنا نبتغي رزقنا تحت ظلّ سيوفنا! وكلّ فرد فينا سيعود إلى فراشه وينام في سلام، وإذا اعتدى عليه بلطجيّ سيسأل: أين القانون؟ وأين الأجهزة الأمنيّة؟

أمّا عن كون أسمى أمانينا هي الموت في سبيل الله، فلا أعلم ما الصورة التي تريدون تصديرها عن العرب والمسلمين، أو حتّى عن المقاومة الإسلامية (حماس)، فنحن وإن كنّا نرحّب بالموت في سبيل الله، نعلم أنّ هذا الموت لا يكون في سبيل الله إلّا إذا كان ابتغاءً للنصر وإعلاءً للحقّ، لاحظ أنّني قلت الحقّ، ولم أقل “إعلاء كلمة الله” فالنصّ في القرآن يقول: وكلمةُ الله هي العليا، أي إنّنا لا نعليها، هي العليا سواء أفعلنا أم لم نفعل فالله غالب على أمره.

وهذا المعنى واضح في القرآن وفي شعر العرب قبله وبعده، ومن ذلك قول أبي فراس “لنا الصدر دون العالمين أو القبر”، أي إنّ الهدف هو النصر، ألم ترَوا أنّه “موت في ((سبيل))” أي إنّ له هدفًا آخرَ، وليس هدفًا في ذاته.

فإن بلغك كلامي هذا وأنت قياديّ في الإخوان، فخذ منه الآتي: لا تكذبَنّ نفسك، واعلم أنّ المعتصمين ليسوا أتباعك، ولكنّهم من الشعب الأردنيّ، وأغلبهم غير مؤدلج، فإن هتفت فيهم أنا: المجد للعرب، سيردّدون ورائي، وإن هتف فيهم رفيقي اليساريّ: النصر للمستضعفين، سيردّدون وراءه، فهم عرب مستضعفون، وأكثرهم مسلمون متديّنون تديّنا شعبيًّا وسيردّدون وراءك ما تقول. لكنّك تفتعل بهذا صدامًا، منتشيًا بسكرة قوّة متخيّلة بأنّهم جند لديك، وما هم بجند لنا أو لك.

وإن بلغك كلامي هذا وأنت من شباب الإخوان، فانظر إلى المصلحة العامّة، مصلحتنا كلّنا، وافحص إن كان كلام قياديّيك يصبّ في هذه المصلحة، أم يبحث عن مصلحة أخرى؟ فإن كانت الثانية، فاعلم أنّهم بهذا يخونون أمانة حمّلها لهم مجاهدو أمّتنا، الذين يشكرون كلّ حرّ على كوكب الأرض، ويريدون النصرة منه، ولا يقصرون كلامهم على العرب، أو المسلمين، أو السنّة، أو الإخوان أو غيرهم. وتصرّف على هذا الأساس.

ألا هل بلّغت؟ اللهمّ فاشهد.