الكتاب: تسلية أنفسنا حتّى الموت
نيل بوستمان
“تسلية أنفسنا حتّى الموت: الخطاب العامّ في عصر الفرجة التلفزيونيّ” لنيل بوستمان هو عمل محوريّ ينتقد التغييرات التي جلبها التلفاز على الخطاب العامّ. يجادل بوستمان أنّ التلفاز، بصفته وسيلةً مصمّمة للترفيه، قد حوّل جميع أشكال الاتّصال، بما في ذلك الأخبار والسياسة والتعليم، إلى صيغ ترفيهيّة. هذا التحوّل له تأثيرات عميقة على المجتمع، يؤثّر في كيفيّة إدراكنا للواقع، التفاعل مع القضايا المدنيّة الهامّة، وفهم العالم.

المجاز الكامن في الوسيط
يبدأ بوستمان بتأسيس فكرة أنّ وسائل الإعلام المختلفة تخدم أشكالًا مختلفة من الخطاب. يقدّم فكرة أنّ “الوسيط هو المجاز”، مشيرًا إلى أنّ الشكل السائد لوسائل الإعلام في مجتمع ما يشكّل كيفيّة مناقشة هذا المجتمع وفهم الحقيقة والمعرفة. في مجتمع متعلّم، تشجّع وسائل الإعلام المطبوعة على ثقافة التأمّل والعقلانيّة والتحليل العميق. بالمقابل، التلفاز يشجّع على ثقافة التحفيز البصريّ، حيث يجري التضحية بالتماسك والعمق لصالح الترفيه.
الولايات المتّحدة الطباعيّة
يتعمّق بوستمان في تاريخ الخطاب العامّ في الولايات الأمريكيّة، مؤكّدًا على الفترة الّتي يطلق عليها “أمريكا الطباعيّة”. خلال هذه الفترة، كانت وسائل الإعلام المطبوعة (الكتب، الكرّاسات، الصحف) هي الوسيلة الرئيسيّة للتواصل، ممّا شجّع على ثقافة تقدّر النقاش المعقول، الحجج المعقّدة، والتفكير النقديّ. مناظرات لينكولن-دوغلاس، على سبيل المثال، تبرز كنماذج عليا لثقافة مبنيّة على الطباعة حيث شارك المواطنون بنشاط في خطاب عامّ جوهريّ.
عصر الفرجة التلفزيونيّ
مع ظهور التلفاز، يجادل بوستمان، دخلت أمريكا “عصر الفرجة التلفزيونيّ”. التلفاز، بتحيّزه الفطريّ نحو الجاذبيّة البصريّة والعاطفيّة، لديه مجموعة مختلفة من الافتراضات المعرفيّة مقارنة بوسائل الإعلام المطبوعة. يعطي الأولويّة للترفيه على التحليل، الإثارة على الدقّة، والفوريّة على السياق. هذا التحوّل غير بشكل جوهريّ طبيعة الخطاب العامّ، ممّا جعله أكثر تركيزًا على الترفيه عوضًا عن التنوير أو التعليم.
الخطاب العامّ في عصر التلفاز
يفحص بوستمان نقديًّا كيف أعاد التلفاز تشكيل قطاعات مختلفة:
– السياسة: حول التلفاز الحملات السياسيّة إلى سلسلة من العروض القائمة على الصورة، مركّزًا على شخصيّة المرشّحين عوضًا عن جوهر سياساتهم أو أفكارهم.
– الأخبار: أصبحت الأخبار شكلًا من أشكال الترفيه، حيث قلّصت القضايا المعقّدة إلى سرديّات بسيطة وعبارات جذّابة، مع إعطاء الأولويّة للتفاعل العاطفيّ على التحليل المستنير.
– التعليم: تمتدّ تأثيرات التلفاز إلى التعليم، حيث يقوّض تأكيد الوسيط على الترفيه التعقيد والعمق الضروريّين للتعلّم الحقيقيّ.
-الثقافة العامّة: يناقش بوستمان كيفيّة تأثير التلفزيون على الثقافة العامّة، مؤكّدًا على أنّ البرامج التلفزيونيّة والإعلانات قد خلقت توقّعات غير واقعيّة بشأن الحياة، السعادة، والنجاح. يرى أنّ التلفزيون يروّج لنمط حياة استهلاكي ويساهم في تدهور القيم الثقافيّة والاجتماعيّة.
تحذير هكسلي
يختتم بوستمان بتحذير يذكّر بـ “عالم جديد شجاع” لألدوس هكسليّ، مقترحًا أنّ شهيّة المجتمع غير المنضبطة للترفيه تشكّل تهديدًا كبيرًا لحياتنا العامّة والخاصّة. على عكس خوف جورج أورويل من دولة استبداديّة تحظر الكتب، كان هكسلي يخشى مجتمعًا تصبح فيه الكتب غير راهنة؛ لأنّ انتباه الناس يستهلك بالملذّات السطحيّة. يرى بوستمان أنّ هيمنة التلفاز تحقّق من رؤية هكسلي الدستوبيّة، حيث يغمر التفاعل النقديّ والفكر الفرديّ في بحر من عدم الأهمّيّة.
التأمّلات
“تسلية أنفسنا حتّى الموت” ليس مجرّد نقد، لكنّه دعوة إلى الوعي والعمل. يحثّ بوستمان علينا إعادة النظر في دور وسائل الإعلام في حياتنا، للتعرّف على قيود وتحيّزات التلفاز كمصدر للمعلومات، وللبحث بنشاط عن أشكال الاتّصال الّتي تشجّع على خطاب عامّ أكثر رصانة، واستنارة، وتشاركيّة.
في عصرنا الرقميّ الحاليّ، مع صعود وسائل التواصل الاجتماعيّ والإنترنت، تصبح حجج بوستمان أكثر راهنيّة من أيّ وقت مضى. التجزئة الإعلاميّة وتكاثر مصادر المعلومات قد عقدت علاقتنا بالحقيقة أكثر، ممّا يجعل الحاجة إلى معرفة وسائل الإعلام والتفاعل النقديّ ضروريّة.
بينما نتنقّل في تعقيدات المشهد الإعلاميّ للقرن الحادي والعشرين، يخدم “تسلية أنفسنا حتّى الموت” كتذكير قويّ بالحاجة إلى تقييم نقدي لتأثير وسائل الإعلام على إدراكنا للواقع وقدرتنا على التفكير العميق والخطاب المدروس. يتصدّى الكتاب لاستعادة العمق والجوهر في الحوار العامّ في عصر تهيمن عليه الفرجة.
أشهر الاقتباسات من الكتاب:
“التلفزيون لا يمنحنا أفكارًا؛ إنّه يمنحنا شعورًا بالوجود.”
“في العصر الحديث، لم نعد نطمح للتواصل مع الجمهور من خلال البراهين، بل عبر الصور.”
“المعرفة الحقيقيّة تكمن في معرفة حدود المعرفة نفسها.”
“الوسيط هو الرسالة. ليس لأنّه يسيطر على المحتوى، لكن لأنّه يشكّل الخبرات الإدراكيّة والاجتماعيّة.”
“لقد أصبحنا مجتمعًا يخدم نفسه بالمعلومات في سعيه وراء الترفيه، لا الإلهام.”
“في عالم التلفزيون، اللغة ليست وسيلة للتعبير عن الخبرات المعقّدة، بل هي تجربة بحدّ ذاتها.”
“التكنولوجيا ليست محايدة. إنّها تفرض تغييرات على طريقة التفكير والتصرّف، وبالتالي تغيّر مجتمعنا.”
” عندما تصبح المعلومات شكلًا من أشكال الترفيه، فإنّ الحقيقة تصبح مجرّد خيار واحد من بين العديد من الخيارات.”
“الجمهور نادرًا ما يعرف ما يريد حتّى يقدّم إليه مباشرة، ولكن بمجرّد أن يتمّ تقديمه، فإنّ الترفيه يصبح معيار القيمة.”
“لقد تحوّل الخطاب العامّ، بما في ذلك السياسة والتعليم والدين، إلى نوع من الترفيه، ممّا يقلّل من قدرتنا على التفكير الجادّ والتحليل النقديّ.”
