حول السابع من أكتوبر.
هذا السؤال يبدو اليوم خجولًا أمام الدم والعرق، أمام تضحيات إخوتنا في غزّة، وأمام جهود إخوتهم في المقـ.ـاومة، لكنّه لن يبقى خجولًا إلى الأبد، بل سيلعلع أصحابه بحجج قد تبدو قويّة لوهلة، وسيخرج المشكّكون في حكمة المقـ.ـاومة، هذا إن لم يشكّكوا في انتمائها.
هذا السؤال في الحقيقة محسوم، وغير محسوم في آن معًا: إذا نظرنا إلى حركة مسلّحة تقـ.ـاوم جيشًا جرّارًا مجهّزًا بأحدث التقنيّات مدعومًا من أكبر الاقتصادات دعمًا غير مشروط، فالمعركة انتهت في اليوم الأوّل بانتصار المقـ.ـاومة غير المنازع، وغير المتنازع عليه، وإذا مدّدنا نظرتنا إلى ما بعد كلّ هذه المجازر، فالمقـ.ـاومة أيضًا انتصرت عسكريًّا، لكنّ التكلفة البشريّة والبنيويّة هائلة جدًّا.
.
دعوني أفصّل في ذلك قليلا: لو لم تدعم الويلات المتّحدة الكيان بالسلاح والمال والغطاء الدبلوماسي والوجود العسكريّ لكان الكيان الآن تاريخًا محضًا، ولربّما كان الفلسطينيّون يطاردون بعض الفلول هنا وهناك.
.
لكن حتّى مع دعم الغرب، فكفّة غزّة المدمّرة لم تزل راجحة، كيف؟ تعال نحسب:
كم عدد مزدوجي الجنسيّة الذين غادروا الكيان إلى غير رجعة؟
كم عدد من كانوا سيستغلّون “حقّ الولادة” و”حقّ العودة” ولن يفكّروا في ذلك مطلقًا؟
هذا سؤال غيبيّ لكن ثمّة طرق علميّة لتوقّعه، نستطيع أن نعود إلى السجلّات ونرى النموّ المتوقّع، ثمّ نطرح منه العدد الواقعيّ، وأؤكّد لك أنّ الكيان خسر أكثر من مليون إنسان على مدى خمس سنوات.
كم هي مخاسر اقتصاد الكيان بسبب هذه الحرب؟
نعم بالنسبة والمئويّة وبعد الدعم الماليّ من الويلات المتّحدة سنكون نحن الخاسرين، فأهل غزّة خسروا كامل معيشتهم، بينما الصهاينة وبعد الدعم لم يزل لديهم اقتصاد قابل للحياة. لكنّك هنا تهمل أنّ الدول العربيّة والإسلاميّة ستدعم غزّة ماديًّا، وكذلك الشعوب، وبعد أن نتمكّن من إدخال الدعم سنجد أنّ هذه الحسبة ظالمة.
.
الآن، ما هي ميزانية الهاسبرة “تبييض سمعة الكيان” التي رصدها الكيان على مدى عقود؟ هذه كلّها تستطيع إضافتها إلى المخاسر المحقّقة التي ألحقتها بهم المقـ.ـاومة.
.
لا أريد أن أطيل عليك، ولن أخرج لك الأرقام غير الدقيقة وغير المحدّثة التي في حوزتي، لكيلا نصرف وقتًا في الجدل حول رقم هنا وفاصلة هناك، لكن كن أكيدًا من شيء واحد:
الذي يقول لك: “هذه هزيمة”، لا يبصر أبعد من أنفه، وهو غالبًا جاهل بالتاريخ والحروب والاستراتيجيّة. إذا لم تصدّقني فأحضر ورقة وأجب عن كلّ الأسئلة التي سألتها، ثم فكّر في الميزانية العسكريّة والخسائر فيها أيضًا، وفي ميزانيّة الدعاية التي صرفتها الاقتصادات الكبرى ضدّ أطفال على التيكتوك! علمًا بأنّ هؤلاء الأطفال كانوا يمرحون ويتعلّمون ويتعاطفون، وذلك يعني أنّ هذا لم يكلّفهم شيئا.
هذا لا يعني أن نغضّ أبصارنا عن الألم الحقيقيّ والضرّ الذي مسّنا، رحم الله الشهداء، الخسارات عظيمة، لكنّ تكلفة بقاء الاحتلال، وتكلفة بقاء الجهل، وتكلفة التطبيع، وتكلفة الانقسام الأيدولوجي والطائفيّ، هي التكاليف المرعبة التي لو بصرنا بها لتقرّبنا إلى الله بالسلاح.
من يقول لك هذه هزيمة، قل له: كل خرا!
