ما وراء موقف منظّمة التحرير


في مقابلة لقناة الجزيرة (القذرة جدًّا) مع سفير سلطة التنسيق الأمنيّ الّتي تتلطّى خلف عنوان “دولة فلـ.ـسطين” في الأردنّ، أسامة العلي، سألت المذيعة السفير عن الدعوى التي أقامتها دولة جنوب إفريقيا ضدّ الكيان المحتلّ، فقفز السفير إلى الاعتراض على تعبيرات في السؤال، وظهر أنّه يسخّف هذه الدعوى، ونجح في جرّ المذيعة إلى نقاش آخر متعلّق بكيفيّة تحرير فلـ.ـسطين، وهاجم الجزيرة والإخوان وحماس.
وفي الحقيقة، هذه المقابلة أيقونيّة بالفعل، فهي توضّح كثيرا ممّا يشكل فهمه على الناس في موقف منظّمة التحرير وسلطة دايتون، من نضالات الشعب الفلسطينيّ، ويقدّم نظريّة المنظّمة في التحرير بكلّ وضوح.

هذه المقولات الواردة في المقابلة، مرفقة بنقاش كل مقولة عند ذكرها:
١- حماس ميليشيا، وكل الفصائل ميليشيات، ولا تمثّل إلا نفسها، والممثّل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطينيّ هو منظّمة التحرير الفلسطينيّة.
هنا علينا الإقرار بأنّ التوصيف المعجمي للفصائل بكونها ميليشيات مقبول نوعا ما أكاديميا لكنه مرفوض إعلاميّا، فالفصائل الفلسطينيّة فصائل أيدولوجية أوّلًا، وأحزاب سياسية ثانيًا، ولها أجنحة مسلحة ثالثا. فهذا التوصيف مرفوض.
أمّا عن كونها لا تمثّل إلا نفسها فهذا عجيب، فكل فصيل يمثّل من يؤيّده. لكنّ هذه النقطة ستكون موضوعا للنقاش مرة أخرى.
٢- الردّ الصـهيوني على دعوى جنوب إفريقيا رد تافه لأنّ الدعوى تنتصر للشعب الفلسطيني لا لحماس.
وهذا صحيح إلى حدّ ما، لكنّ جنوب إفريقيا وغيرها لا يمكن أن تنتصر لشعب ليس فيها من يناهض المحتلّ، وسيخرج فورًا من يقول لماذا تتحدث باسم فلسطين والممثل الشرعي والوحيد موجود! وقد كانت القضية الفلسطينية شارفت على الاضمحلال بسبب السلطة ونهجها.
٣- كان يجب تقديم الدعوى في محكمة جرائم الحرب الدولية وليس في محكمة العدل الدولية.
لا أعرف إذا كان هذا صحيحا من منطلق قانوني، لكنني أخشى أنّ الاعتراض هنا على وجود طرف فلسطيني آخر لأنّ اعتراضه على اختصاص المحكمة قد يكون من هذا المنطلق. لكنني بصراحة لا أعلم.
٤- المرجع في الفصل بين من يمثل الشعب الفلسطيني ومن لا يمثّله هو القانون الدوليّ والأمم المتّحدة.
هذه ه النقطة التي أجّلناها في نقاش النقطة رقم ١، وهنا نقول أن سفير ما يسمّى بدولة فلسطين يرى أنّ من يختار الذي يمثّل الشعب الفلسطينيّ هو الأمم المتّحدة والقانون الدوليّ. لا الجماعات الفلسطينيّة ولا الأفراد الفلسطينيون. بصراحة هذا أمر عجيب.
٥- الفصائل خارج المنظّمة لا تريد الانضمام إلى المنظّمة.
هذا أمر داخليّ في مفاوضات إنهاء الانقسام ولا سبيل لنا لمعرفته، ولكنّ النظرة المسبقة التي تحدّد ما هو مقبول وما هو غير مقبول بناء على القانون الدولي والأمم المتّحدة، وما سيظهر لاحقًا من كلام السفير، كلّ ذلك يوضّح لماذا قد لا ترغب الفصائل بالانضمام إلى المنظّمة.
٦- تفاوض الفصائل مع الكيان وعقد اتّفاقات معه خيانة عظمى، وقد عقدت حماس اتفاقات مع الكيان.
وهو بالتأكيد يقصد التفاهمات خارج الأطر الشرعيّة، ورأيه في الشرعيّة هو المشكلة الأكبر. فهو يرى أنّ الشرعيّة تستمدّ من القانون الدولي والأمم المتّحدة. ولذلك فهو لا يرى حركة فتح أو المنظّمة قد أجرت اتّفاقات وتفاهمات بصورة منفردة لأنها هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطينيّ.
٧- تأييد العالم ليس للمقاومة لكنه للشعب الفلسطيني وبالتالي هو لممثله الشرعي والوحيد.
صحيح من جهة المبدأ، لكن نحن لم نرَ هذا التأييد إلّا مصحوبا بالكفاح المسلّح سواء أكان الذي يقاتل هو فصيل فتح أو فصيل حماس أو الجبهة الشعبية القيادة العامة… إلخ.
٨- الكيان قادر على إنهاء حماس لكنها تتّخذها حجّة لقصف الفلسطينيين وذبح الشعب، بدليل أنها لم تقصف منصّات الصواريخ، ولو أرادت فإن خمسة آلاف قنّاص قادرون على تحقيق هزيمة المقاومة في نصف ساعة.
بالطبع فإن استدعاء خمسة آلاف قنّاص ونشرهم لا يتمّ في نصف ساعة، ومن المؤكّد أن الكيان لم يستطع إيقاف صواريخ جنوب لبنان ولا صواريخ غزّة لأنّها ليست راجمات صواريخ ظاهرة. أمّا عن كون الكيان يتعمّد ترك حماس فهذا سيفرد له السفير بندًا مستقلا وسنناقشه في حينه.
٩- الكيان يستهدف المدنيين في كلّ حال قبل المقاومة وبعدها وفي وجودها وفي غيابها.
هذه النقطة توضّح أنّ النقطة السابقة كانت هراء، لأنّهما نقطتان متعارضتان، فالذي ليس بحاجة لعذر لقتل الفلسطينيين، لا يمكن أن يترك فصيلا يحقّق ضدّه نقاطًا تجعله يبدو ضعيفًا أو مهزوزًا.
١٠- نقد السفير مصطلحات الجزيرة (حرب، هدنة، قصف الأهداف، تل أبيب الكبرى) وأنّ لديها أجندة إخوانيّة تضخيميّة، في مقابل أنّ إعلام الكيان يقول قصفنا منظّمة إرهابيّة، ونشن عملية عسكرية ضد حماس.

نقد السفير هنا محقّ، وعذر المذيعة أقبح من ذنبها، أو عذر الجزيرة أقبح من ذنبها فهي تقول إنها تنقل رواية الاحتلال. وعليه نردّ: إذا كنتم مهتمّين بنقل روايته عليكم أن تنضمّوا له صراحة.
١١- اتفاقيّة أوسلو هي التي ستحرّر فلسطين، والقانون الدوليّ، والحماية الدوليّة، لا الصواريخ ولا “عشرين بارودة في جنين”، وأوسلو نكبة على المحتلّ ولذلك قتلوا رئيس وزرائهم الذي وقّعها، ولذلك يخترقون المعاهدة.
هنا علينا تذكير السفير بأنّ الاتفاقية لم تأت إلّا بعد الانتفاضة التي جعلت المحتلّ يبحث عن طريقة أخرى ليتعامل بها مع النضال الفلسطيني ضدّه، ولذلك فكلامه هنا عن نبذ العنف متهافت، ثمّ إنّ أوسلو لم تنجح في وقف برامج الاحتلال الجارية على قدم وساق، ولم تنجح إلا في تسليم المقاومين وإثراء من وقّعوها وجعلهم سفراء وأصحاب ملايين.
أمّا عن أنّه يرى أنّ مجرّد رفض الاحتلال لأوسلو يجعلها شيئا جيدا فهذا هراء، لأن الصهاينة ببساطة وقحون ولديهم شعور بالاستحقاق ويرفضون أشياء في صالحهم أحيانًا بسبب أنّهم يريدون أكثر.
١٢- اليمين الفلسطيني واليمين الصهيوني في خندق واحد.
في المجمل قد يكون ذلك صحيحا في بعض الحروب، لكنّ اليمين الفلسطيني هو السلطة ومعارضوها هم اليسار، وهو بالفعل في خندق الكيان، لكنّه ليس في خندق اليمين الصهيونيّ الذي لا يعترف بالسلطة أصلا.
هذه كلمة لن يمرّرها الشعب الفلسطينيّ للسفير، أو على الأقل يجدر بها ألّا تمرّ.
١٣- الكيان يعشق المقاومة ونقل لها المال من قطر وهو يريدها لتكون مبرّرًا للإبادة.
اتفقنا مع السفير على أنّ الكيان يمارس الإبادة في كلّ وقت، أمّا لماذا سمح بدخول المال القطريّ فهذا له سياقه وإطلاق الأسرى له سياقه، ويجدر بالسفير مراجعة التاريخ.
١٤- حماس والإخوان لا يرون التحرير من منظور تحرير فلسطين بل من منظور تحرير الأمة.
وفي الحقيقة والجبهة الشعبية تنظر للتحرير على أنه تحرير للعرب، والحزب الشيوعي ينظر له على أنه تحرير للمضطهدين… إلخ. المقصد أنّ هذا خلاف أيدولوجي عامّ ليس مكانه هنا.
ولا بدّ من التذكير بمحور النقاش ومحور طرح السفير ومحور المنظّمة وما وراء أوسلو، وقد ذكره السفير بصورة شبه صريحة:
إنّ من ينظر إلى الصراع من زاوية أنّ الشعب الفلسطيني وحيد في هذا الصراع فإنه سيرى أنّ التسوية والاتفاقات أفضل من الحرب لأن لديهم تفوّقًا في الأدوات العسكريّة.
يبقى بعض المقولات التي لا أريد نقاشها، لكنّني أريد تثبيت أنّ السفير قالها فعلا، وسأترك الردّ للقارئ:
١- الكيان دولة ديموقراطية. (بصراحة كلامه مضحك)
٢- انتصرنا برفع العلم وإدخال السلطة.
٣- حكم حماس انقلاب.
٤- عدد القتلى من الكيان في هذه الحرب جنديان في اليوم.
٥- الصواريخ عبثية.
٦- يهمّنا النتائج.
وفي المجمل يبدو أنّ السفير لا ينظر إلى الصراع العربي الصهيونيّ بوصفه صراعا وجوديًّا وهو مهتمّ أكثر ببقاء المنظّمة ممثلا وحيدا للشعب الفلسطينيّ، ولهذا فإنّ مجرّد نقاشه مضيعة للوقت، لكنّني مجبر على النقاش لا لإقناع المستفيدين من المنظّمة والذين سيناقضون حتّى كلامهم أنفسهم من أجل الحفاظ على المكتسبات التي بين أيديهم، لكن من أجل توعية البقيّة.
أخيرا، لنتخيّل أنّ الشعب الفلسطينيّ لم يرَ في هذه السلطة مقاولًا للاحتلال في قمع النضال الفلسطينيّ، وفي توريد الإسمنت للجدار الذي يقسم أرضهم، وفي توريث المناصب لطبقة من الفاسدين، فكيف ستكون نظرتهم إلى أيّ جهة مناهضة لهذه السلطة؟