مزيّنًا مقالته _أو أيًّا كان يسمّي الشيء الذي كتبه_ بكاريكاتور لرسّام يعمل كأنّه عامل لِحام كهربائي، يقدّم عماد حجّاج “توضيحه”، تحت اسم “رسومات مغضوب عليها”، وبالطبع يبدأ صدامي مع هذه “المقالة” من العنوان، فجعل فعل الغضب مبنيّ للمجهول، يجعلك تشعر بأنّك تريد أن تناصر هذه الرسومات، لكنّه لو أراد الحقيقة لقال “رسومات أثارت قرف الناس”، أو “رسومات فضحت دواخلي”، أو سوى ذلك، وفي هذه الفقرات يقدّم حجّاج القصّة من منظوره، أو من المنظور الذي يناسبه أكثر حاليًّا، مناقضًا منشوراته السابقة التي قدّم فيها منظورًا آخر وهو “يعتذر” ويستعرض “خفّة ظلّه” في آن معًا، وفي آخر هذه “المقالة” يتنبأ حجّاج بأنّ “الحملة ضدّه” قد تستمرّ.

هنا أريد أن أقدّم قراءة في هذه المادّة النصّيّة، وهي قراءتي أنا غير الملزمة لأيّ كان، وسأتحدّث كأنّني أخاطب عماد نفسه، وهذا على سبيل المجاز فإنّني أتعهّد بعدم مخاطبته أبدًا، فهو بالنسبة لي ممن لا يجوز الحديث معهم، وتجب مقاطعتهم، لكنّني أخاطب القارئ الكريم الذي قد تنطلي عليه هذه المادّة.
نبدأ أوّلًا من رؤيتك لنفسك في الرسم بوصفك تقدّم صناعة أو أمرًا مصطنعًا كأنّك تلحم قطعًا لا تنتمي لبعضها بعضًا من خلال قلمك أو ريشتك، لتقدّم شيئا مصنوعًا، وأحبّ أن أعرف أين صنع هذا المنتج؟ أين تقيم الآن؟ وأين كنت تقيم أيّام كنت تسكن الأردنّ؟ أقصد أين تقيم ذهنيًّا ومن أيّ منظور تراقب هذه الحرب؟ وسأترك فكرة الاصطناع ولحم القطع على بعضها، التي لا تشبه اكتشاف العلاقات والتعبير عن النفس، فهذه من نافلة القول، والمجاز مقبول فيها مع أنّه لم يعجبني شخصيًّا. (تستطيع الآن أن تقول: “يجعله ما عجبك!”، ها أنا أساعدك في الردّ). وأعرف أنّك تريد الإشارة للضوء المنبعث من القلم، لكنّك تعلّقت بمجاز واحد ونسيت البقيّة.
تقول: إنّك كنت وستبقى مع حقّ الشعب الفلسطيني (كأنّك لست منه) في “مقاومة الاحتلال”. ماذا عن حقّه في استهداف المحتلّ أو طرده، وماذا عن الواجب الفلسطينيّ والعربيّ والعالميّ بذلك لا مجرّد “الحقّ”؟ فخطاب “حقّ الشعب الفلسطينيّ” هذا، هو خطاب يمكن أن تسمعه من موظّف في الأمم المتّحدة أو من سلطة عبّاس، أو إذا أضفت إليه تعبير “تقرير المصير” قد تسمعه من أحد الصــهاينة في خطابه على هامش توقيع معاهدة “سلام”.
أمّا صفتك بكونك رسّامًا مشهورًا وذا تاريخ معروف، فهي أدعى أن تحمّلك مسؤوليّتين إضافيّتين: الشهرة، وأنّك اكتسبت هذه الشهرة من الالتحام بالموقف الشعبيّ الأردنيّ والفلسطينيّ (أو الشعبيّ العربيّ عموما). أمّا أنّك لن تنكص أو لن تبدّل، فنحن نراك قد بدّلت منذ 2006، عندما كنت تهاجم المقاومة في لبنان خلال الحرب التي يشنّها عليه الصهاينة، وأصدّق من أخبروني من أساتذتك وزملائك أنّك منذ ذلك الوقت تحظى بعلاقة جيّدة مع السفارة الأمريكيّة في الأردنّ، سفارة العدوّ الأوّل للشعوب العربيّة والمضطهدين في كلّ مكان، رغم أنّني لا أملك دليلا على ذلك، لكنّ أعداءنا وقحين لدرجة أنّني لن أعدم أن أحضر لك دليلا يوثّق لقاءاتك هناك، وأهل الخير يكفلون إحضار هذا الدليل لنفركه في أنفك!
تعدنا خلال المادّة أن تشرح “ملابسات أربعة رسوم تناقلتها مواقع التواصل”، وأنا أرى أنّك إذا كنت ستشرح فعلا فإنّ عليك أن تشرح ملابسات أكثر من 20 رسمًا ما زلت أحفظها، كنت تصطفّ فيها ضدّ الدول والحركات التي تناهض المحتلّ الصهيونيّ، وأكثر من 30 رسما آخر كنت تناصر فيه “الربيع العربيّ” الذي أضعف الدول العربيّة، ورهنها لإرادة المال النفطيّ الذي هاجمته أخيرًا في الرسم الذي أدّى لسجنك في الأردنّ، ورغم عدائنا لكثير من أفكارك كتبنا مناشدات ومناصرات ضدّ فعل التكميم الذي مورس ضدّك. لا أتحدّث هنا عن نفسي، بل عن كثير من أبناء الحركة الوطنيّة في الأردنّ، الذين ناصروك في كاريكاتير حمامة السلام التي تبصق على حاملها، رغم أنّهم يغضبون من كاريكاتيرات أخرى.

تسم النقد الموجّه لرسوماتك بأنّه “حملة استهداف” وتقول إنّك تعرف “الشخص” الذي وراءها، وفي الحقيقة هذا النقد أو الغضب ليس حملة استهداف، وأنت وأنا وأيّ فرد أصغر من أن يكون موضوعًا للاستهداف في ظرف كهذا بوصفه شخصًا، لكنّها حملة ضدّ أفكار تشيع ونريد نحن الشعب أن نقطع دابرها، ونرى أنّ رسوماتك تأتي في سياق حملة استهداف المقاومة، وفي الحقيقة أيضًا ليس ثمّة شخص واحد وراءها، فأنا عندما كتبت أوّل مرّة لم أكن قد رأيت منشورًا لأحد، وأظنّ أنّ الكثيرين غيري لم يقرؤوا ما كتبته أنا أو ما كتبه غيري، لكنّهم كتبوا ضدّ رسوماتك، لا ضدّ شخصك، فليس لنا عليك دين قصّرت في سداده، ولم تسرق دجاجات الحاكورة، الأمر ليس شخصيًّا: لم ينطلق من شخص بعينه كما تحاول أن تظهره، ولم يوجّه ضدّ شخصك فأنت مجرّد شخص، وليس قائما على خصومة شخصيّة. لو سمحت كفّ عن هذا الهبل!
أمّا عن رسم الطائرة التي تشبه الإرهابيّ، فهذا ما أثار استفزازيّ! أنت ترانا أغبياء يا حجّاج! أنت حرفيًّا تتخوّث! وإليك بيان ذلك: في الرسم قرينة لا تقبل الإنكار، وهو أنّك وضعت على صدر من تسمّيه إرهابيًّا رسما لشعار حركة، وهذا الشعار رسم بطريقة تقريبية غير مفصّلة، يحتوي الرسم على سيفين متقابلين وقبّة وعلمين على جانبي القبّة، وهذا يا “معلّم” شعار معروف للناس، هو شعار حركة حماس! لا تتخوّث لو سمحت. عيب! ولن أخوض في حجّة أنّ “العربيّ الجديد” نشرته، لكنّي أؤكّد لك أنّ “العربيّ الأصيل” قبل عمليّة “التجديد” الّتي يتعّهدها عزمي بشارة وقطر، لا يمكن أن ينشر هذا الرسم. ليس حبًّا في حماس، فأنا من أشدّ الناس خصومة مع حركة الإخوان كلّها ولي جدالات طويلة ضدّ حماس، لكن في سياق الصراع مع الغزاة، فأنا أضع التقدّميّة على جنب، وأضع رأيي الشخصيّ في فمي وأخرس، كأيّ حرّ يعرف أنّه لا يجب أن يشبّه حركة قوامها الشعب الأصيل مهما ارتكبت هي أو أمّها الإخوان من أمور ذات طبيعة جدليّة، وأوّلها إضعاف محور المقاومة الذي هاجمته أنت لدرجة السخف، بالمحتلّ الغازي الآتي من وراء البحار بدعم الإمبرياليّة الأوروبيّة والأمريكيّة.


أمّا رسم القطّة المحشورة وهو لم يكن محوريًّا في النقاش أصلا، فأنا أوافقك على كثير مما قلته، مع أنّ الذي قلته فيه مشكلة فكريّة أصلًا، وهو أنّك تنقل للغربيّ أنّ سبب المقاومة هو الحصار فقط، وأنّ مقاومة المحتلّ ردّ فعل على عنجهيّته وحصاره، مع أنّ المقاومة في الأصل قائمة بسبب وجود الاحتلال، ناهيك عن كون القطّة السوداء تمثيلا غير موفّق أبدًا، وأنت تعلم هذا. لكنّني لن أطيل هنا.
الآن نعود للاستهبال مرّة أخرى! الرسم الذي تسمّيه “إرهابيّ يتقنّع بعلم إسرائيل” ليس كما تصفه، فهذا الرجل الظاهر في الرسم، هو نتيجة الخراب والحصار والسلاح، وهو مقنّع بعلم الكيان الذي يبدو بسبب الدماء كوفيّة حمراء، والرجل يرفع سبّابته، وهي صورة أيقونيّة شهيرة لا داعي لشرحها، فليس عند أي طفل شكّ أنّك تقصد هنا أن كتائب القسّام وناطقها الرسميّ مساوية للكيان.
بصراحة هذا الخطاب طال عن حدّه، ولا يمكن الحديث مع شخص يستهبل، لكنّني سأقفز عن أغلب الكلام الذي لديّ وأذكّرك أنّك فيما يخصّ رسم تبادل الأسرى (عموما نحن نسمّي من لدى حماس من الصهاينة بالمحتجزين، ونسمّي من لديهم بأسرى أو مختطفين من قبل الاحتلال) كتبت أوّل منشور لديك على فيسبوك مدّعيًا أنّ الرسم قديم، وسارعت بشطبه لأنّه منشور بتاريخ واضح! وقلت إنّك ستنتقد أيّ فصيل فلسطيني، أمّا في هذه المادّة فأنت تقرّ بسياق الرسم، فنفهم أنّك تركت الاستهبال، لكن للأسف أنت لم تتركه!

لماذا؟ لأنّك تدّعي أنّ رسمك سيشير إلى حقيقة اتّخاذ الاحتلال أسرى من النساء والأطفال، لكن في نهاية هذه الفقرة أنت تقول إنّ الرسم احتوى نقدًا ضمنيًّا لحركة حماس، مع أنّ هذا الفعل الذي تنتقده هو من أعلم العالم بسلوك الكيان تجاه النساء والأطفال والرجال والجثث المحتجزة، لا رسمك ولا رسم غيرك! هذا الفعل الذي تدينه هو الذي فضح الجريمة التي تدّعي أنّ رسمك ساهم بفضحها.
وعليك في كلّ حال أن تنتقي متى تنتقد حركة ما! دعني أخبرك بشيء، مثلا: لو كان لك رسوم حول خطف النساء والأطفال الفلسطينيين وسجنهم سابقًا، أو رسوم حول محاولة اتفاق الطائف تفكيك لبنان، أو رسوم حول نقد سيطرة فرنسا على لبنان وتغيير هويّته العربيّة، إلى جانب رسوم سابقة عن السياق التي قدّمتها فيها في نقد محور المقاومة، لرأيناك شخصا ذا فكر حرّ نختلف مع نتيجة تفكيره، أمّا أن ترسم ضدّ المقاومة اللبنانيّة وقت معاركها مع المحتلّ، وضدّ المقاومة الفلسطينيّة وقت معاركها مع المحتلّ، فأنت تعرف ردّة فعل الأردنيّ الحرّ على تصرّفك! لا أريد أن أكتب لك ما سيقوله أيّ عربي حرّ لدى رؤية رسم من رسومك، عموما هي جملة من كلمتين فقط! أنا متأكّد أنّك قرأتها كثيرا مؤخّرًا.
كل هذا لا يهم، المهم هو أنّك ترى أنّك يجب أن تستنسخ من نفسك نسخة صغيرة تخرج مثل الجنّي مع كلّ رسم لتشرح للمتلقّي ماذا كنت تقصد! وهذه هي أفظع شتيمة في حقّ رسّام كاريكاتير! لقد عبّرت عن نفسك أو عن ما في صدر جهة ما بصدق، وانتهى الأمر. نحن سنطالع الرسم ونحكم.
هنا، نحن لا نسلبك حقّك في الشهرة التي حصّلتها إذ كنت تتبنّى قضايانا، ولا نسلبك حتّى حقّك في أن ترسم، وقد نحتفي بما نراه مناسبا من رسوماتك مستقبلا (أنا لن أفعل، لكنّ الشعب قد يفعل، فالشعب يغفر وينسى)، لكنّك للأسف وضعت وشما على جسمك واسمك، وهذا الوشم كتب بلغة يفهمها الجميع، وسيبقى هذا الوشم أو الوسم أو الوصم ما بقي ذكر لك على هذه الأرض: أنت اصطففت ضدّ الضعفاء في الوقت الذي كانوا بأمسّ الحاجة إلى من يؤيّدهم.
