بعيدًا عن الصادقين المهمّشين من أهلنا في الخليج، على كونهم الأغلبيّة الساحقة رغم أنف الإعلام الرسميّ، وقلوبهم التي تتقطّع، وكأنّ قذائف العدوّ تضربها قبل أن تضرب مدارسنا ومستشفياتنا في غزّة، فإنّنا لا نستطيع أن نتجاهل هذه النذالة وسمك الجلد والحيونة التي نراها من إعلاميّين ومدوّنين يتناولون القضيّة الفلسطينيّة من اصطفاف قذر، وبطريقة أقذر.
ولأنّنا نعرف مستوى الحرّيّة التي نشأ عليها أهلنا في معظم دول الخليج، إذ يتلفّت أحدهم خلفه إذا تحدّث في أيّ شأن عام، نعلم علم اليقين أنّ هؤلاء الذين يتصدّون للحديث على المنابر بطريقة تؤثّر في التصوّر العام عن المواطن الخليجيّ، لدرجة أن تشكّك المتلقّي بنسبة المتحدّث إلى أبيه، لا بدّ وأنّهم مدفعون بدافع خارجيّ بلا ريب (أنا أميل إلى التعميم كي لا أتحدّث عن بلد بعينها، لكنّني أظلم في ذلك بلدانًا لا تجد أمثال هؤلاء فيها)، ثمّ نجد من يتصدّى لهم من مواطنيهم الذين حصّلوا هامشًا من الحرّيّة بما يريحنا من الدخول في جدال يؤدّي إلى الشقاق مع غيرهم من الطيّبين أو الساذجين، بدلا من أن يسكتهم.
الملفت أنّ هؤلاء يتحدّثون بطريقة مأخوذة من أوليات صفحات كتب علم النفس، وهي مجموعة من الحيل البسيطة المكشوفة لكلّ دارس للإعلام أو علم الاجتماع، وهنا سأناقش هذه الطرائق وأساسها النفسيّ، وسبب شيوعها، في مقالة سرديّة تبتعد عن تفصيل النقاط قدر الإمكان، لكي أبتعد عن تقاليد الكتب العلميّة، التي لا يعوز القادر على قراءتها أن يفتح المراجع وأمّهات الكتب منها، ويستغني عن شرحي للقضيّة، مؤكّدًا على أنّني أتحدّث عن شرذمة لا تمثّل أهل الخليج العربيّ الغيورين على أمّتهم.
الإله العادل ولوم الضحيّة
في نسيج علم النفس البشريّ، هناك القليل من المواضيع التي تثير القلق كما يفعل “إلقاء اللوم على الضحايا”، وهو ردّ فعل يكشف عن ميكانزمات العقل المعقّدة، والمعيبة في كثير من الأحيان. ومن مرتكزات هذه الممارسة فرضيّة “العالم العادل”، وهو اعتقاد متغلغل بعمق في النفس البشريّة، يجبرنا على البحث عن عالم يلتزم بحسّ العدالة، حيث تُكافأ الفضيلة بالثواب، وتواجه الرذيلة بالعقاب.
هذا الاعتقاد قويّ للغاية لدرجة أنّه عندما تظهر الحياة جانبها غير العادل، أو بالأحرى جوانبها غير العادلة، كما تفعل في كثير من الأحيان، فإننا نهتزّ حتّى النخاع. إنّ وجع القلب والارتباك الناجم عن رؤية الأبرياء يعانون بينما يلوذ المذنب دون عقوبة هو بمثابة ضربة قاسية تتحدّى حاجتنا إلى النظام والعدالة.
في محاولة عاطفية، وإن كانت مضلّلة لحماية مُثُلِنا، نقع أحيانًا في فخ إلقاء اللوم على الضحيّة، وإقناع أنفسنا بوجود سبب – أيًّا كان هذا السبب – قد يفسّر الألم، ويستعيد إيماننا في عالم يحدث فيه كلّ شيء لغاية مقدّرة. هذا الفعل على الرغم من بشاعته آليّة دفاع طبيعيّة، يدعو إلى التعاطف والتفاهم العميقين، لأنّه يتحدث عن الاضطراب الداخليّ الّذي نواجهه في التوفيق بين العالم كما هو، والعالم كما نتمنّى بشدّة أن يكون.
لهذا تسمع منهم تعبيرات من مثل: “دم الأبرياء في رقبة حركة حماس”، أو “كان الأولى أن تلتزم بالسنّة، فالرسول في حالة الضعف لجأ إلى المعاهدات”… إلى آخر هذا الهراء، الّذي لا يقع في قلب أي غرّ في فلسطين ودول الطوق، إذ يدرك جميعهم أنّ المقاومة هي الشيء الوحيد الذي يحميهم من المزيد من التوحّش، وأنّها هي ردّة الفعل الطبيعيّة على الاحتلال وسلب الحقوق، وأنّ الّذين سلكوا سبيل المعاهدات لم يسلموا من البطش في السلم والحرب، وأنّ هذا العدوّ لا يعترف بحدود ولا بسلام، وهو مقدّمة للتوحّش الرأسماليّ الغربيّ البروتستانتيّ، أي الإمبرياليّة التي تسلب حقوق أهلنا في الخليج من العيش الكريم، وتفقر أغلبهم رغم غنى بلادهم، وتدعم من يستبدّ بهم ويلغي أي مظهر من مظاهر الإنسانيّة بينهم.
الممارسة هذه “لوم الضحايا” تجد في النسخة الوهّابيّة المضروبة من الديانة الإسلاميّة بيئة خصبة، لأنّها في أصلها تكرّس السلبيّة وقبول الواقع، بحجّة أنّ الفعل كلّه لله، وأنّنا مطالبون بالصبر والطاعة فقط، وبئست من نسخة سخيفة من المعتقد الإسلاميّ الذي أنجب المقاومين والقادة والمجاهدين.
القائد المطنوخ ولوم الضحيّة
ليس سرًّا أنّ المجتمعات في الخليج العربيّ ترفع القائد إلى مرتبة الإله، أو على الأقلّ مرتبة وكيله على الأرض. لك أن تراجع قصائد المدح، والشيلات والأغانيّ، ولك أن تنظر في فكرة السلالة الحاكمة، وسرديّة قهر القبائل على الرضوخ لحكمه سابقًا، وفوق ذلك أنّه ملهم وصاحب رؤية بعيدة المدى، وسيكون من السهل أن تفهم أنّ المواطن الخليجيّ يدخل في أزمة حقيقيّة مع ديناميّات الحكم في بلاده بمجرّد أن يطالع ما يحدث لأخوة له، إذ يصعد إلى وعيه السؤال: وهل يعلم قائدنا الفذّ بهذا؟ أو كما قالت النكتة قديما: “وفهد يدري؟”.
إنّ نسيج المجتمع، بأعرافه الّتي لا تعدّ ولا تحصى وقواعده غير المعلنة، يملي غالبًا سردًا يكرّم المشاعر الوطنيّة، على حساب المعاناة الفرديّة، أو المعاناة الجماعيّة لمجموعة يمكن إيجاد حاجز بين الإنسان وبينهم، مثل الاختلاف في المذهب، أو اختلاف القطر، أو أيّ اختلاف يريح الإنسان من حقيقة أنّهم مثله.
وفي الثقافات التي تقدّس الانسجام المجتمعيّ، تطغى جوقة الأغلبيّة وإن كانت أغلبيّة متخيّلة أو مكذوبة يختلقها الإعلام. من الأسهل إذًا إلقاء اللوم على فئة محدودة بدلا من مواجهة احتمال وجود خلل جماعي، أو خلل في بنية العالم أجمع. ويمكن لهذه الجوقة الثقافية، التي يتردد صداها عبر الأجيال، أن تحجب الصرخات المطالبة بالعدالة، عن طريق عدد من الميكانزمات النفسيّة الدفاعيّة التي تزدهر في ظلّ تركيبة القوى في المجتمع، وأداء الآلة الدعائيّة للدولة، والحاجة إلى الرضا عن النفس ولو بطرق مختصرة، والحاجة إلى التأقلم مع الوضع القائم الذي هو أسهل من السعي إلى تغييره. وسنمرّ على شيء منها.
عقدة ستوكهولم
لنفترض أنّك تشبّعت بسرديّة أنّك “شيخ ابن شيوخ”، و”مطنوخ من ظهر مطنوخ”، و”حنا اهل العوجا ولا به مماراة… شرب المصايب مثل شرب الفناجيل”…إلخ، واكتشفت لدى حدث ما أنّك وقبيلتك ودولتك في عجز مدقع، فكيف ستفكّر؟ لا يقهر السوبرمان الّذي تشرّبت أنّك تلعب دوره، سوى إله جبّار! لذلك، يصعد في وعي هؤلاء تقديس غريب للمعتدي، ويشعرون أنّ المعتدي محقّ بالضرورة!
هكذا يصبح من السهل عليهم تبنّي سرديّة العدوّ، والثقة بالإعلام الغربيّ، وروايته، بل وينبري الواحد منهم ليردّد ما يمور في نفسه على العلن، ويرى من الجرأة والقوّة اتّخاذ هذا الموقف المعادي للضحيّة ولمقاومتها، فيتحوّلون إلى رأس حربة للمحتلّ، يخز بها قلوب الضحايا الّذين ينظرون إليه بوصفه أخًا ضالًّا لا أكثر.
التلاعب بالسببيّة
بالتأكيد، سيكون لما يقوله أوّل عشرين “أبو طيز” أثر في نفوس الشعب الذي يتعرّض لنكبات متتالية، إذ هو خطّ الدفاع الأوّل عن هذه الأمّة الّتي تتداعى الأمم عليها “كما تتداعى الأكلة على قصعتها”، فيخرج من بينهم إنسان تغمره مشاعر الإحباط والغضب، ليقول كلامًا عامًّا أو خاصًّا، وكلام ابن الشعب المظلوم هنا ردّ فعل على ما رآه من تجاوب مخيّب للآمال على قضيّته، وقد يسبّ ويلعن.
هنا يجد “أبو طيز” فرصته الذهبيّة ليتلاعب بالسببيّة، ويغيّر ترتيب الأحداث، فيقول: أنتم خسرتم تأييدنا بسبب نظرتكم إلينا! ويأتي بكلام الإنسان المحبط الّذي لم يكن كيّسًا كفايةً، ولا يتوقّع ممن يتعرّض للقصف أن يكون كيّسًا هادئًا، فيجعله سببا لتخاذله وصغر أكتافه.
الإنكار
ربّما ليس للإنكار الكلّيّ دور كبير عند الحديث عن القضيّة الفلسطينيّة، لأنّها صراع وجود موثّق وتاريخيّ، لكنّ هذا السلوك كان رائجًا أمام الحرب على سوريّا، إذ تجد من ينكر وجود داعش من الأساس، ويراها خدعة إعلاميّة فقط.
الفكرة هي أنّ الإنسان من هؤلاء، وبسبب الصدمة التي يتعرّض لها، وعدم قدرته على فهم العالم في ظلّ هذه المعطيات الجديدة، يهرب إلى إنكار جزء من أجزاء الواقع، وربّما أنكره بالكامل. وهذا واضح في القفز إلى بعض النصوص الدينيّة، مثل قصة درع الرسول المرهونة عند يهوديّ، أو تحريف الصراع ليكون صراعًا دينيًّا… إلخ. المهمّ أن يحرّف الإنسان الواقع ليصبح شيئا يمكن التعامل معه حسب البرنامج المخزّن فيه، وهذا ضرب من الإنكار.
دور الصدمات النفسيّة الجماعيّة
وفي ظل الصدمة الجماعيّة للأمّة كلّها المتمثّلة باحتلال فلسطين، إذ لا تزال الجروح التاريخية مفتوحة منذ عقود، نجد تصوّراتنا ملطّخة بألم الماضي الذي لم يجد خاتمة له. ويمكن لهذه المعاناة المشتركة أن تشوّه الطريقة التي نرى بها الضحايا اليوم، مما يؤدّي إلى ميل مثير للاشمئزاز إلى إلقاء اللوم عليهم بسبب مصائبهم. انظر مثلا إلى من يذهب وصم أبناء المخيّمات الّذين هم بصفاتهم كلّها نتيجة للمعاناة الجماعيّة، فبدل أن ينظر إليهم على أنّهم يرزحون تحت واقع مرير، ورغم ذلك يقاومون، تستطيع رميهم بالجهل أو الفظاظة. هكذا، يمكننا تجنب المهمة الساحقة المتمثلة في مواجهة معاناتنا الجماعية. إنّ الاعتراف بألم شخص ما إلى أقصى حدّ يعني الاعتراف بشياطيننا التاريخيّة، وهذا احتمال مخيف.
ختام وتحيّة
أختم بتحيّة الرصينين من إخوتنا في الخليج العربيّ، الّذين لم تستطع آلة الدعاية المضللة خداعهم، ولم يستطع مفسدو الضمائر رشوتهم، ولم يستفزّهم المحبطون الّذين وقعوا في تعميم الأحكام منّا، ولم تنل منهم الصدمة الجماعيّة للأمّة كلّها، ولم تخدعهم النسخة المكذوبة من الدين، وبقوا رغم كلّ ذلك إخوة، نعم الإخوة.
فإن حال دون ظهورهم، أو طفوّ آرائهم المشرّفة على السطح، كلّ ما سبق من قهر واستبداد وضنك، فنحن لا ننسى الأخوّة الصادقة التي نراها فيهم، ولا نقبل أن تخلو البلاد منهم، ونحفظ لهم حقّ الودّ، وحقّ الأخوّة، ونعلم أنّهم مثلنا، يشاركوننا الضنك والشعور بالإحباط، ونشاركهم الشعور بقلّة الحيلة والصدمة الجماعيّة. إلى هؤلاء تحيّة متجدّدة دائمة لا تنقطع، ونجدد بيننا وبينهم العهد بأنّ أحدنا سيتحرّر ويحرّر الآخر.
