لقد كانت المقاطعة منذ فترة طويلة تعبيرًا صادقًا عن المقاومة، وهديرًا صامتًا للتعبير عن رفض الخصوم. وعلى ذلك أمثلة كثيرة تبدأ ربّما من مقاطعة قريش للمسلمين، وتمتدّ إلى أمثلة حديثة كمقاطعة النظام الجنوب إفريقي العنصريّ، مرورًا برفض المستعمرين الأميركيين شراء البضائع البريطانية، وهي التي مهّدت الطريق لاستقلال الولايات المتحدة. وبالتقدم سريعًا إلى العصر الحديث، نرى أنّ العقوبات الاقتصاديّة ضدّ الدول استمرار لهذا التقليد، بهدف التأثير على السياسات، رغم أنّ الداعي للمقاطعة أحيانًا يملك القدرة على قصف البلدان وإزالتها، لكنّه يفضّل أن يبدأ بالحصار الاقتصاديّ.
لكن الأمر لا يتعلق فقط بالمكان الذي نضع فيه أموالنا، إنّه يتعلّق أيضًا بالمكان الذي نضع فيه سمعنا وأبصارنا. إنّ مقاطعة وسائل الإعلام على القدر ذاته من الأهمّيّة. والسبب بسيط: إذا قامت منصّة إعلامية بنشر آراء الخصم، بغض النظر عن كون مالكها عربيّ أو أنّها تدّعي نقل الرأي والرأي الآخر، أو حتّى إحراج العدوّ، فإنّها تستحقّ المقاطعة. إنه موقف ضد السماح للعدوّ أن يروي قصصنا أو يشكّل تصوّراتنا، أو يركّز على آلام أمّتنا وفشلها أحيانًا، متجاهلًا آلام العدوّ، ونجاحاتنا.
.
هذه المقاطعة، سواء كانت اقتصادية أو إعلامية، لا تتعلق فقط بالاحتجاج، بل تتعلق بحماية واستعادة رواياتنا وقيمنا. إنّ المقاطعة للمجتمعات، في جوهرها، تشبه عمليّات ترسيم الحدود بين الدول. يمكنّك تخيّلها كتحديد منطقة بخطّ عريض على الرمل، فهي واضحة وجريئة وشخصيّة. إنّها تتعلق باختيار عدم إعطاء وقتنا، أو أموالنا لشيء لا يوافق قيمنا. وهذا ليس مجرد قرار اقتصاديّ؛ إنها موقف نفسيّ اجتماعيّ، إنّها همس جماعي يتحوّل شيئا فشئيا إلى صرخة تقول: “هذا ما نحن عليه، وهذا ما نؤمن به”.
.
عندما نقاطع، فإننا لا نبتعد عن منتج أو قناة إخباريّة حسب، نحن نتّجه نحو بعضنا بعضًا، نتّجه إلى الداخل، ونجد الوحدة والقوّة داخل الجماعة التي نشكّلها. يتعلّق الأمر بهذا الشعور الدافئ بالتضامن الّذي يأتي من الوقوف معًا، من إدراك أنّنا لسنا أفرادًا، بل جزء من شيء أكبر: مجتمع ذو مُثُل مشتركة.
.
ولا يقتصر الأمر على اتخاذ موقف شخصيّ أو مجتمعيّ؛ إنّه يتعلّق بدعوة الآخرين للوقوف معنا، للمشاركة في عمليّة الانتصار السلميّ الصامتة، الصاخبة للتأثير في الواقع وتغييره. هو صمت مجلجل يصمّ الآذان. إنّها دفعة نفسية، تدفعنا إلى التفكير في تأثير خياراتنا اليوميّة، وهي إشارة اجتماعيّة، توضّح ما نقبله وما نقـ.ـاومه. الطفل العربيّ سيعيش وهو يعي كونَه عربيًّا، لا كالجيل الذي نشأ في ظلّ وهم السلام، الّذين كانوا يرون أنفسهم “مواطنين عالميّين”، إن كان لهذا المصطلح معنى آصلًا! لا بدّ أنّ الطفل من هذا الجيل سيكبر وهو يسأل عن كلّ مساهمة عربيّة في كلّ مجال من المجالات، وعن التمظهر العربيّ لكلّ مفهوم يصادفه.
.
ستصل المقاطعة إلى لحظة لا يستطيع الفنّان العربيّ التصرّف وكأنّ شيئًا لا يحدث، وسيكون جاذبًا له أن يقدّم فنًّا ينبع من صميم الثقافة العربيّة، في الأخيلة والتناول وحتّى في النوطة الموسيقيّة والتوزيع. بعد عقد من المقاطعة سنجد الجامعات العربيّة ارتفعت سويّتها، فالمدرّسون الأفذاذ العاملون اليوم في الغرب قد يختار كثير منهم الرجوع لوجود هذا الوعي الوطنيّ، أو لإحساسهم بعنصريّة الغرب وفساد قيمه، وستقوم شراكات مع أمم أخرى في العالم بعيدًا عن الأطلنطيين الداعمين للصـ.ـهيونيّة، أو لنقل: مخترعيها، فهذا أصدق، وأبلغ.
.
إنّ المقاطعة إذ تساهم في بناء اقتصاد وطنيّ، فهي تساهم في إعادة بناء الأمّة مرّة أخرى، حتّى إنّ العربيّ التابع للهيمنة الأطلنطيّة سيجد مصلحته في دعم قضايانا. ولنتذكّر دائمًا أنّ الحركات الكبيرة في العالم تبدأ من قوّة اعتقاد هائلة تمثّلها عدد _وإن كان قليلا_ من الناس في تصرّفاتهم، وفي دعوتهم الصادقة لمبادئها الواضحة.
