ليس بعيدًا عن ترجمات قوائم الطعام المضحكة الّتي رأيناها مع صعود خدمة الترجمة في جوجل، فإنّ كثيرًا من المصطلحات التي ترجمها العرب عن الغرب وقعت في أخطاء أكثر فداحة وإن كانت أقلّ كوميديّة. أحد تلك المصطلحات هو “أنتي-ساميتزم” الّذي ترجم خطأ إلى “معاداة السـ.ـاميّة”، وهي ترجمة غير مناسبة إذا فهمنا المصطلح في سياقه الثقافيّ والتاريخيّ.
الكلمة سكّها الصحفيّ الألمانيّ (فلهالم مار) في عام 1879، وقد كان هذا الصحفيّ من أشدّ الكارهين لليـ.ـهود، وكان قوميًّا عنصـ.ـريًّا ألمانيًّا، ثمّ أسّس (مار) فيما بعد رابطة سمّاها “رابطة المعادين للسـ.ـاميّة”، ولم يكن يعني فيها الشعوب الساميّة بصورة عامّة، لكنّه عنى اليهـ.ـود وحدَهم، وكان الأجدر أن يسمّيها “رابطة كارهي اليـ.ـهود”، لكنّ له أسبابًا لا ينتبه لها المترجمون.
.
لنفهم المصطلح، نحتاج أن نفهم فكرتين هنا:
1- لماذا كان (مار) يكره اليـ.ـهود أصلا؟
2- لماذا انتقى هذا الاسم العام “مناهضـ.ـة السـ.ـاميّة”، بدلًا من المصطلح الأدقّ وهو “كره اليـ.ـهود”؟
نبدأ بإجابة السؤال الثاني: عند اختيار هذه الكلمة، كان (فلهالم مار) يتمسّح بآخر الصيحات في عالم العلوم في أوروبا، فقد كان الشائع هو تقسيم العالم إلى أعراق، وترتيب هذه الأعراق على سلّم التطوّر، حتّى قبل التبنّي العامّ لنظريّة التطوّر، ونشأة الداروينيّة الاجتماعيّة.
الفكرة الرائجة هذه كان لها اسم هو “العنصريّة العلميّة”، وكان (مار) أحد معتنقيها. وجد (مار) أنّه من المناسب صياغة الفكرة بطريقة تظهر على أنّها علميّة، فاستخدم هذا المصطلح بدلا من مصطلح “مناهضة-اليهـ.ـود” الذي سيستدعي حمولة دينيّة، وهو لم يكن متديّنًا مطلقًا، بل كان أقرب ما يكون إلى ملحد. يُذكر أنّه كان محسوبًا على أقصى اليسار الألمانيّ في شبابه، ثمّ تحوّل عن ذلك كباقي النـ.ـازيين الذين سحبوا كراهيّتهم لليهـ.ـود لتشمل أفكار (كارل ماركس) ذي الأصول اليهـ.ـوديّة، الذي نشأ في عائلة اعتنقت المسيحيّة بالمناسبة.
.
إذًا، هو اختار هذا المصطلح المتمسّح بالعلم لأغراض دعائيّة، إذ كانت العنصريّة الوضع الطبيعيّ الصريح للأوروبيّين (لم تزل كذلك لكنّها لم تعد صريحة)، والمصطلح من صناعة كارهي اليـ.ـهود أنفسهم، مع أنّ غالبيّة الناس اليوم قد تظنّ أنّه مصطلح يهـ.ـوديّ.
.
أما السؤال الأوّل، وهو لماذا كره هؤلاء اليـ.ـهود؟ فللأمر عدد من الوجوه:
.
– العنصريّ سيكره كلّ من لا يشبهونه بطبيعة الحال، وهذا كان الأمر الطبيعيّ بصفة اليـ.ـهود الآخر القريب الذي يمكن مهاجمته.
.
– الانعزال والاستغلال. انعزال اليهـ.ـود في غيتوهات، وعملهم في الإقراض الربويّ بفائدة فاحشة، أو أيّ أعمال لا أخلاقيّة أخرى، إذ إنّ اليهـ.ـوديّ القياسيّ مهما كان محافظًا وأخلاقيًّا بين أعضاء مجتمعه في الغيتو، ينظر إلى الآخر على أنّه من الأغيار، وقد كانت فتوى معظم الحاخامات أنّ الوصايا التي تضبط السلوك الإنسانيّ لا تشمل غير اليهـ.ـوديّ، فيمكن النظر إلى هذه الكراهيّة على أنّها كراهيّة للرأسمال غير الأخلاقيّ.
.
هنا نجد أنّ اليهـ.ـود كانوا هم البادئين بالتفريق غير الأخلاقيّ في التعامل، وهذا كان ولم يزل موضع نقد بين عدد من الحاخامات على قلّتهم. ونجد أنّ ردّة الفعل الطبيعيّة للبيئة المحيطة (كانت في يوم من الأيّام كاثوليكيّة، ثمّ أصبحت بروتستنتيّة) هي المزيد من النبذ.
.
ويمكن النظر إلى نظرة اليهـ.ـود هذه بوصفها نتيجة للكراهيّة الكاثوليكيّة المستندة على رفضهم للمسيح مع أنّه أرسل لهم، ثمّ تعود أصول المشكلة إلى المعتقد اليهـ.ـوديّ ذاته الذي يرى اليهـ.ـود جماعة مختارة والبقية أغيارًا “غوييم”.
.
– الإرث البروتستانتيّ المعقّد يفرض نفسه هنا. فقد كان القسّ الذي بدأ كاثوليكيًّا إصلاحيًّا (مارتن لوثر)، ينتقد هذا التعالي الكاثوليكيّ على اليهـ.ـود، فكيف لهم أن يكرهوهم والمسيح بذاته كان يهـ.ـوديًّا؟ وفي مواعظ (لوثر) كلام قاسٍ يطالب المسيحيّين بالتزام موقف “الكلاب التي تأكل فتات موائد أبناء الربّ-اليـ.ـهود”.
.
وفي وقت لاحق، قفز (لوثر) إلى النقيض التامّ لهذا الموقف، وأصدر أكثر التصريحات قساوة في حقّهم، لأنّه رأى أنّهم خانوا معروفه، ولم يقبلوا بالدور الذي أراده لهم، أن يكونوا المسيحيّين الأقرب إلى الربّ. يذكر أنّ الحزب النازيّ كان يستشهد بأقوال (لوثر) في حقّ اليهـ.ـود.
.
ولا بدّ أن نذكّر أنّ موقف (لوثر) هذا كان على صلة بموقفه الرافض للتعاليم الكاثوليكية المتحجّرة الرافضة للربا، وأنّه كان يبشّر بالفائدة المنخفضة العادلة التي لا تعطّل الاقتصاد، ولا تؤدّي إلى نهب الفقراء.
.
إذًا، فيما عدا العنصريّة الحاضرة في أوروبا بين كلّ قوميّتين مختلفتين آنذاك، فإنّ كراهيّة اليهـ.ـود في أصلها تعود إلى حلقة مفرغة من المسلكيّات المتشاحنة بينهم وبين محيطهم الأوروبيّ، وإلى إحساس الألمانيّ البروتستانتيّ القياسيّ بالغبن اليـ.ـهوديّ له على مستوى الديانة، وبالأخصّ في مجال الربا والإقراض والرأسمال غير الإنتاجيّ، فكان حتمًا أنّه إذا صعد شعوره القوميّ سيتركّز حقده على “أبناء الربّ الخائنين عهده” المستغلّين للفقراء، وأنّه سيبتعد عن التديّن الذي يربك موقفه منهم.
.
ولذلك، فإنّ هذا المصطلح “معاداة الساميّة” بصيغته العربيّة مصطلح فاسد، وجب استبدال مصطلح آخر مكانه وليكن “العنصـ.ـريّة الأوروبيّة” أو “العنصـ.ـريّة ضدّ اليهـ.ـود”، وهذا ما نحن العرب منه براء، ولا يستطيع حتّى أكثر اليهـ.ـود تعجرفًا أن يتّهمنا به، فتاريخنا وتاريخهم يشهد أنّهم لم يجدوا جوارًا كجوارنا، إذ كان منهم أطبّاء الحكّام والمستشارون وأعلى من ذلك وأقلّ، ولم يعيشوا في معازل إلّا أن يختاروا التجاور في حيّ من الأحياء في مدينة عربيّة، بل ومن أواسطها.
.
كذلك فنحن لم نكن في يوم من الأيّام ذوي حكم مركزيّ شامل، ولذلك فلم يحُلْ تحريم الخمر دون وجوده في البيئة العربيّة صناعة واستهلاكًا، ولم يحُلْ تحريم الربا دون التعامل به.
.
أمّا أن نكره اليهـ.ـود اليوم، فهذا ممّا وقع فيه كثير منّا بصورة مفهومة، إذ نحن نرى أنّ الصـ.ـهاينة الّذين هم تمظهر لكبريات مشكلاتنا يهـ.ـود، وإن كان أكثر العرب معافًى من هذا، بسبب احتكاكه بحكم قضيّته العربيّة في فلسطين بمفكّرين يهـ.ـود مناهضين للصـ.ـهيونيّة، ورؤية إخلاصهم للحقّ العربيّ في فلسطين. لذلك، يقصُر العرب عداءهم على الصـ.ـهاينة.
.
الأمر الأهمّ الذي نبّهني إليه صديقي د. بشّار عبّاس في مقالة طويلة شاركها معي قبل أن ينشرها، أنّ النزاع الذي نراه بين تقديس اليهـ.ـود واحتقارهم من قبل الجماعات البروتستانتيّة، هو في الحقيقة نزاع بين (لوثر) القديم و(لوثر) الجديد، وأنّ مشكلتنا تكمن مع الطرفين منهم، مثلنا مثل المنصفين من اليهـ.ـود.
.
لماذا تكمن المشكلة مع الطرفين؟ لأنّ “المسيحيّين الصهيونيّين” المقدِّسين لليهـ.ـود يدعمون الكيان الغاصب بقصد تسريع عودة المسيح، فهم يتعاملون مع اليهـ.ـود بوصفهم أداة. وهذا ما يرفضه عدد غير قليل من يهـ.ـود العالم المنصفين لأنفسهم وللعرب وحقّ العرب بفلسطين.
.
ولأنّ المحتقرين لليهـ.ـود هم عنصريّون أصلًا ضدّ كلّ شيء في العالم غير الإنسان الأوروبيّ الأبيض، ولا يروننا بشرًا. هؤلاء يرون أنّهم لم يستطيعوا القضاء على اليهـ.ـود. لذلك، فمن الأفضل أن يرسلوهم إلى بلادنا، وينتهوا من شرورهم، وفي الوقت نفسه هم يجلدون بذنبهم.
.
ولمّا كنّا نعلم أنّ للأفكار الدينيّة _ سواء صدّقنا بها أم لم نصدّق_ غاياتٍ دنيويّةً تهدف إلى إصلاح جوانب الحياة، فإنّ الأمر في جذوره معيشيّ: اقتصاديّ، جغرافيّ، قوميّ، ثقافيّ.
.
ولهذا، تجد عندنا في صفّ المقـ.ـاومة ضدّ المحتلّ جميع أصناف العرب: القوميّ العلمانيّ، والشيوعيّ، والقوميّ المتديّن، والإسلاميّ الشيعيّ، والإسلاميّ السنّيّ، وحتّى إنّك قد تجد بعض الليبراليّين، الذين رأوا مؤخّرًا الزيف الأطلنطيّ بوضوح.
.
ولهذا أيضًا تجد أنّ اقتراب البلدان العربيّة رسميًّا من المقـ.ـاومة مقترن أيّما اقتران ببعدها عن إمبراطوريّة الشـ.ـرّ “الولايات المتّحدة”، وكلّما كنت على وفاق مع “الولايات”، وكلّما اقتربت من ثقافتها الرسميّة، كلّما أصبحت معاديًا للعروبة، وصرت ضدّ مصالح العرب.
.
إذا وضعنا الأمر في نصابه، فالفلسـ.ـطينيّ اليوم يقاتل ضدّ كارتيلات السلاح والمال في الولايات المتّحدة أوّلًا، أي إنّه يقاتل أعداء العالم كلّه، لا عدوّ الأمّة العربيّة فقط. فهل فهمنا حجم الحرب؟ وهنا أقتبس من صديقي د. بشّار عبّاس: “المقـ.ـاومة تقاتل عن 5 ملايين مشرّد في الولايات المتّحدة نفسها!”.
