لا أرى منظومة القيم الغربية “الأطلنطية” متفوّقة على أيّ منظومة قيميّة في العالم، بل وأرى أكثرها منحطًّا ساقطًا بني على أساس الدعاية الإعلاميّة. يقول أحد الإنسانيين الأوربيين: “هيّا ننقذ الغرقى من المهاجرين”، فيكون ردّي بيني وبين نفسي: ماذا لو أوقفتم قصف بلاده، أو سهّلتم الدخول المنظّم إلى بلادكم؟ ماذا لو لم تدعموا الغلاة والمتطرّفين بينهم؟ ماذا لو لم تنهبوا بلادهم لأكثر من قرن؟ لكنّني أعلم أنّ في الغريق قصّة إنسانيّة يسهل التعاطف معها، وأن دروس غوبلز لم تزل في أذهان أصدقاء أمسه بعد أن انقلب عليهم فأطاحوا به.
ومع وضوح هذا لديّ، فإنني لا أراه واضحًا لدى الأكثريّة من بني جلدتي. ربّما لهذا يحاولون مخاطبة الجمهور الغربيّ، أو تحريك الضمير “العالميّ” المرتهن للغرب الأطلنطيّ. لكنّني في السطور القادمة، سأسلّط الضوء على جانب مفروغ منه تقريبًا لدى المثقّفين الحقيقيّين، ولا يحتاج كثير نقاش، بيد أنّه للأسف يحتاج إلى التبيان لأكثر الناس. وسأساعد من يريد مخاطبة الغرب على أفظع ثلاث صفات تنطبق على الكيان الصهيونيّ، فتجعل الإنسان الأطلنطيّ القياسيّ ينفر منه إذا صدّقك.
لا أدلّ على منظومة قيم قوم من منظومة الشتائم في لغتهم، والأطلنطيون بدؤوا منذ عقود يستخدمون النعتين: فاشيّ، ونازيّ، بوصفهما شتائم من العيار الثقيل. الآن ماذا لو أخبرتك أنّ المصطلحين ينطبقان أيّما انطباق على الكيان الصهيونيّ؟ إليك الإثبات.
فاشي
من الطرائف أن كلمة فاشيّة جاءت من الفأس الرومانيّة التي تسمّى “فاسيس” والّتي ربّما تعود إلى أصل عربيّ أو آفروآسيويّ. (بالمناسبة من المؤكّد أنّ كلمة مافيا تعود إلى أصل عربيّ، فلا تستغرب الأمر)، وتجد في كلّ استعمالاتها أنّها تشير إلى صفة الحزمة الموجودة في الفأس الرومانية المكوّنة من حزمة من العصيّ التي تجدل بحبال لتثبّت فأسأ حديديّة بارزة منها.
تشير الكلمة حديثا إلى أيدولوجيا العصبات الملتحمة التي بناها موسوليني وجعلها نظامًا لحكمه، إذ هو مكوّن من مافيات عائليّة وعصابات موالية للحكم، ترى نفسها أساس الدولة الفاشية الإيطاليّة زمنه. وهي تحمل إحساسًا بالأحقّيّة عند عضو كلّ جماعة من هذه العصابات، تجعله يرى من سواه أدنى منه، فهو لا يقدّم للدولة القوميّة ما يقدّمه هنا، فتتحوّل الدولة القوميّة إلى دولة عائلات وعصابات.
إذا نظرت إلى المنطق وراء الكلمة ستجد أنّ كلّ صهيونيّ داخل الكيان هو فاشيّ بالضرورة، وأنّ نظام الدولة لديهم فاشيّ بكلّ معنى للكلمة. فالصهاينة جماعات متفرّقة منهم الروس والبولنديون ومنهم من يعود أصله لليهود العرب، وهم طوائف شتّى لا مشترك بينها إلّا مساهمة كلّ منها في بقاء الكيان. ومنهم من يستفيد من الكيان دون أن يحقّق فائدة تذكر، كأعضاء الجماعات الدينيّة المتطرّفة الذين يتفرّغون لدراسة الديانة اليهوديّة حصرا، فلا يخدمون في القوّة المسلّحة، ولا يدفعون الضريبة.
وبقدر نفوذ الجماعة التي خلفك أو العصبة التي تنتمي إليها تكون أكثر شعورًا بالأحقّيّة، وأكثر ابتزازًا لإدارة الكيان ذاته. وأكثر ما يجعل النظام في الكيان فاشيًّا هو أنّه يبيح للعصابات هذه ارتكاب الجرائم ضدّ العرب، ولا يسائلهم، فتكون كلّ عصابة منها كأنها جماعة من عصابات الشباب الإيطاليّ المسلّحة التي شكّلت هذا النظام وأدامته. لا أدري إن كان من الضروريّ التذكير بالأرغون والهاغانا والشتيرن وسواها من الميليشيات الصهيونيّة المؤسسة للكيان. ولأنّ النظام الاجتماعيّ في الكيان طبقيّ جدًّا بناء على الأصول والمذاهب، ولأنّه سلطويّ جدًّا، ولأنّه يعمل بالطريقة ذاتها، فإنّ وصف الفاشية ينطبق عليه تمامًا.
النازيّة
هي النسخة الأكثر اشتراكيّة والأكثر إغلاقًا من الفاشيّة، فالنازيّ يعتقد بالأحقّيّة المطلقة له بوصفه منتميًا لعرق، ولهذا فهو الوصيّ على العالم. يستطيع أن يقتل أي شخص لا ينتمي للعرق الآريّ، ويستعبده، ويعذّبه. والصهيونيّ بهذا المعنى نازيّ جدًّا، فالآخرون عنده أغيار “غوييم”، وهؤلاء دمهم مباح وعرضهم مباح وأرضهم مباحة لمن يرى نفسه من “شعب الله المختار”.
وإليك دليل آخر على أنّ النازيّة والصهيونيّة يعملان بالعقليّة ذاتها: لقد روّج هتلر للمظلوميّة الألمانيّة بين الألمان، واكتسب شعبيّته القصوى بين الألمان على أساس أنّ ألمانيا ظلمت وأذلّت في الحرب العالميّة الأولى، وأنّه يريد جعلها عظيمة، ولكي يستعيد مكانتها بصفتها سيّدة العالم، وقد جعل الأمم المحاصرة له يجلدون أنفسهم ندما على حريق الرايخستاغ بخطاب مظلوميّة بارع. ومن الطرف المقابل نجد الصهاينة يستغلّون عقدة الذنب الأوروبيّة والأطلنطيّة عموما على المحارق النازيّة التي جاءت على خلفيّة عنصريّتهم هم ضدّ اليهود.
فوق ذلك فقد بدأ كلاهما من أسطورة كاذبة تقول إنّ كلّ نظام منهما نظام اشتراكيّ جاء ليخدم العامل البسيط، وكانت هذه الكذبة سببًا في أنّ الاتّحاد السوفييتي كان أوّل من اعترف بما سمّوه “استقلال إسرائيل”. إذًا، فالفوارق بين النازيّة والصهيونيّة فوارق مهملة، لكنّهما المخلوق ذاته من كلّ جهة ممكنة، حتّى من جهة الدعم الذي يأتي من الرأسماليين الأمريكيين.
ياه، لقد كشفنا للتوّ أن أبشع صفتين في منظومة القيم الغربيّة تنطبقان بصورة مستقلّة. ماذا عن الصفة الأكثر تنفيرا في المجتمعات الغربية التي تنطبق على الكيان أيضًا؟ إنها كونه “زمرة دينيّة = cult”، والزمرة الدينية الضالّة من جهة التعريف معقّدة جدًّا، ويلزم استعمال نموذج “بايت” الذي ابتدعه اليهودي الأمريكي “ستيفن حسن” بعد أن انفصل عن زمرة تسمّى “مونيز”، استغلّته من خلال إظهار الترحيب، ثمّ استعبدته بالشعور بالذنب والواجب تجاه المجموعة، وبخرافات عن وعود إلهيّة مزعومة.
يتتبع نموذج بايت لفحص الجماعات إذا كانت زمرا ضالّة أم لا، أربعة أسئلة حول تحكّم الجماعة بأمور تخصّ الفرد فيها:
هل تتحكّم الجماعة بتصرفات الفرد؟
هل تتحكّم الجماعة بالمعلومات التي تصل إلى الفرد؟
هل تتحكّم الجماعة بأفكار الفرد؟
هل تتحكّم الجماعة بعواطف الفرد؟
وهنا نرى أن الصهيونية زمرة سلطويّة جدًّا، لا تقلّ في كونها زمرة عن أيّ مجموعة ملعونة في الغرب مثل “معبد الشعب”، وهي تقوم على خرافات تأتي بصورة وعد إلهيّ بأرض مزعومة، وتاريخ مكذوب يقول إنّ هؤلاء الشقر والسود آتون من هذه البلاد القمحيّة اللون ذات الشمس الساطعة.
إنّهم يطلقون وعودًا بالدلال المطلق (القصف بالحبّ) لكلّ من يرغب باستغلال “قانون العودة”، فهو سيجد ضريبة مخفّضة، وسكنا مجّانيًّا في مستوطنة، ومهنة أكيدة، لكنّه حين يصل يجد نفسه مجبرا على الخدمة لثلاث سنين للإناث والذكور في جيش الاحتلال، ويجد أنّه يسكن في مستوطنة على مرمى النيران الفلسطينيّة، وأنّه مواطن من الدرجة السابعة بعد الجماعات المتديّنة، وأنّه لا يحقّ له التحدّث مع الإعلام، وإذا تحدّث فإنّه يعطى دليلا تفصيليّا “كاتالوج” كقاموس اللغة الدولية (قاموس الخداع الصهيوني)، وإذا لم يطعهم في النهاية قد يجد نفسه كالمستوطن “يعقوب”.
أخيرا، وبعد كلّ هذا… يمكن النظر إلى الكيان بوصفه شركة رأسماليّة أيضًا، فالمموّل عندهم يحقّ له كلّ شيء، ولا حدود لسلطة المال في الكيان.
إذن نحن أمام كيان هو شركة هي زمرة دينية فاشيّة نازيّة، وأظنّ هذا أفضل ما يهاجم من خلاله الكيان أمام الغرب، أمّا عن كونه عنصريًّا، فعدد الذين لا يعجبهم أن يكون الكيان عنصريًّا ضئيل غير مؤثّر في الحقيقة، فالأطلنطيّون بصفة عامّة عنصريّون جدًّا، لكنّ إثبات هذا يأتي في حديث مستقلّ.
