في الجزء الأوّل من المقالة ناقشنا المهارات النفسيّة الواجب توفّرها في الشخص الذي يريد خدمة القضيّة العربيّة في فلسطين، والآن سندخل في الجزء العمليّ، ثمّ نعرض الجزء الإدراكيّ والمعرفيّ في وقت آخر.
عليك أن تختار مبكّرًا إن كنت تريد أن يكون عملك ظاهرًا أو متواريًا، لأنّ المسارين مختلفان لا يلتقيان فيما بعد، فالناشط بصورة واضحة لا يستطيع أن يخفي نفسه فيما بعد، والمتواري إذا ظهر فجأة وانتبه له الناس سيقال: من أين جاء بكلّ هذه الخبرة والمعلومات. والأغلب سيختار أن يكون علنيًّا في بعض الأمور، متواريًا في بعضها الآخر. لكن دعنا نبدأ بالسلوك العام الذي يشمل الجهتين:
- المقاطعة: لا تشترِ البضائع والخدمات التي ينتجها الصهاينة، ولا تشتري من الشركات التي تتضامن معهم، ولا تشتري من الشركات التي تفتح عندهم فروعًا إن استطعت، وإذا استطعت أن تمدّ مقاطعتك لتشمل الشركات الأمريكيّة والشركات المتعدّية للحدود. ببساطة، ادعم اقتصادك الوطنيّ، وأي منافسة للشركات الكبرى.
- المعرفة: عليك أن تحرص على زيادة معلوماتك عن القضيّة العربيّة في فلسطين، ووضع المعلومات في سياقها، وألّا تأخذ الكلام الغربيّ على أنّه مضمون، كن دائما كثير الشكّ والبحث، فالمهارات العمليّة إذا انفصلت عن المعرفة جاءت بكوارث، وأكبر مثال على هذا ما حصل في ما يسمّى الربيع العربيّ، إذ انتشرت توعية بأساليب التظاهر والاشتباكات مع الأمن، دون أن يكون ثمّة نقاش للمرحلة القادمة وكيفيّة تسييرها.
- التجمّع: اجعل العمل الجماعيّ عادةً عندك. لا تقع في فخّ الإنسان الفائق الذي تخيّل لك التقنيّة أنّك تحوّلت إليه، فالعمل الجماعيّ المنظّم عادة مجتمعيّة يجب أن تصان، والانخراط فيه مهارة فرديّة يجب أن تنمّى، وفيه تكسب خصالا نفسيّة ليست متاحة دونه، من قهر الأنا “الإيغو”، وتقبّل النقد والسعي إليه، وتقديم النقد بطريقة مقبولة، إلى مهارات التنظيم والتعامل مع الناس… إلخ.
- التنظيم: كن منظّمًا وذا جدول مزدحم معروف سلفًا لك. وكن قادرًا على تحويل النتيجة المرغوبة إلى أعمال صغيرة عليك أن تنجزها أو تفوّض غيرك بالعمل عليها.
- النفاذيّة: عليك أن تكون قادرا على النفاذ إلى مجتمعات جديدة، والانخراط فيها، فمن المؤسف أنّ كثيرا من الحياة السياسيّة في المدن لا تصل القرى والبلدات والمحافظات على الإطلاق. والنفاذية طريق النفوذ، فربّما تستطيع أن تقابل صاحب منصب ما لغاية كسبه في صفّ قضيّتك، أو حماية أفراد آخرين في عملك الجماعيّ من إساءة استخدام القانون ضدّهم عن طريق علاقات جيّدة مع نافذين.
- التقييم: عليك أن تكون قادرًا على تقييم الآخرين تبعًا لما ينفعون قضيّتك به، فليس من الضروريّ أن يعجبني فلان من كلّ الجوانب لأتحالف معه، بل ربّما أكره أكثر ما فيه، لكنّني أنظر وأقيّم من جهة خدمته للقضيّة التي أعمل من أجلها، أو ربّما لفرع فيها.
- المبدئيّة: عليك أن تميّز المبادئ الأساسيّة لديك، وتفهم أولويّاتك، فإذا جاءك عرض للعمل مع الضحايا أو الأسرى، عليك أن تفكّر في الجهة التي قدّمت هذا العرض، فأنت لا تريد أن تنفع من جهة بمقدار فلس، ثمّ تضرّ من جهة أخرى بمقدار قنطار!
- أدوات تنظيم العمل الجماعيّ: ثمّة أدوات كثيرة تساعد فريقك، فما هي؟ وكيف تستخدمها؟
- مهارات القيادة، وفهم كيف تعمل الجماعات، وكيف تنبثق الأنظمة المعقّدة من مسالك بسيطة.
أمّا أهمّ مهارات العمل المتواري فهي:
- الكتمان: الذي يعمل في الظلّ عليه أن يكتم عمله عن الجميع، حتّى عن نفسه في الأوقات الأخرى. مثلا لنتخيّل أنّك في مخيّم جنين مثلا، أو في دولة غربيّة معادية لقضيّتك، وتعمل عملا غير ظاهر لخدمة قضيّتك، فإنّ الوقت الذي تقضيه في العمل يجب أن يكون تحت ستار ما، فإذا شوهد من بعيد أو من قريب ظنّ الناظر إليه أنّه قشرته الخارجيّة.
- الخيال والذاكرة: الذي ينخرط في عمل غير ظاهر، عليه أن يمتلك خيالا نشطا لصناعة الستار الذي يعمل تحته، وعليه أن يتذكّر ما رسمه من صور، فمحقّقو الأعداء يشمّون الفجوات في قصّة أحدهم.
- تعديل اللغة: عليك أن تملك لغة قشرية فوق لغة مقاصدك، فلا تقول الشيء صراحة ولا تسمّ الأشياء بأسمائها العاديّة، وهذا في حياتك العاديّة. قد يصبح اسم حزبك: الشغل المسائي، ويتحوّل اسم القضيّة إلى: القصّة. وكن حريصًا على أن تكون الكلمات منتقاة بعناية.
- الوعي بالبصمة الإلكترونيّة: أنت في عصر التواصل الفائق، وهذا يعني مراقبتك أو إمكانيّة مراقبتك حتّى بأثر رجعيّ، فعليك أن تكون واعيًا بما تفعله قرب الإلكترونيّات، لأنّك قد تضرّ نفسك إذا اكتشف أنّك تزور مواقعًا محدّدة أو تمارس نشاطا إلكترونيّا غير اعتياديّ.
- التراسل الآمن: تعلّم عن أساليب التراسل الآمن، وكيف تتأكّد أنّك غير مراقب، وأنّ أجهزتك غير مخترقة.
أمّا أهمّ مهارات العمل العلني فهي:
- الوعي بالجمهور: أن تعي كيف تخاطب الجمهور، وأن تفهم أقسامه وتنوّعه، وما يقال له وكيف ومتى يقال.
- الدراية بالقانون: أن تفهم القانون الذي تعمل تحته، وكيف ومتى قد تكون عرضة للمساءلة، حتّى لو كانت نيّتك حسنة.
- إدارة الصورة: عليك أن تكون قادرا على إدارة صورتك أو صورة قضيّتك أمام الناس، وكيف لا تأتي بأفعال تنافي ما عرفك الناس من خلاله.
- تحليل الخطاب: إذا كنت تعمل عملا علنيّا فلا بدّ من أن تكون على دراية بأدوات تحليل الخطاب، مثلا: خلال مظاهرة ما ستجد بعض الشعارات التي لا تخدم قضيّتك مطروحة من قبل جماعة من الناس، فكيف تتصرّف؟ وكيف تكتشف هذا أصلا؟ أو قد يقابلك صحفيّ كسول وينسب لك ما لم تقل، فكيف تردّ عليه؟ وكيف تكتشف أنّه جيّر نشاطك لصالح فئة أخرى؟
- النقد الذاتي: كيف تصوغه؟ وكيف تتقبّله عندما يأتي به أحد أفراد مجموعتك؟
أعمال مقترحة: هذه بعض الأعمال التي يمكنك البدء بها الآن، مع جماعة من الناس، كي لا تنتهي بتعبك أو مللك أو موتك.
- التظاهر والخروج في مسيرات: التنظيم والاستجابة للدعوات التي يطلقها منظّمو المظاهرات. راعِ أن ترتدي ثيابًا مناسبة، لكيلا تضرّ بصورة الآخرين، ولا تلق النفايات، وحاول أن تلتزم بتعليمات الداعين إلى المظاهرة. وإذا كنت أنت المنظّم أو جزءًا من المجموعة التي دعت للتظاهر، عليك إدارة هذه الأمور والحرص عليها، فما أسهل أن يهاجمك الآخرون عن طريق وكيل ما.
- إنتاج المحتوى وإدارة الحملات والعواصف الإلكترونيّة: هذا شيء يمكن تعلّمه على الإنترنت فلن أشرحه، لكن احرص على أن يكون محتواك متّسقا متكاملا غير متناقض.
- توعية الآخرين: كل حراك مهما كان يحتاج إلى دماء جديدة، فعليك أن تستديم حركتك بالوصول إلى الدماء الجديدة، سواء بالدعوة أو التربية والتنشئة.
- البحث والتدارس: تستطيع التجمّع مع مجموعة من الأصدقاء لدراسة قضيّة ما، والبناء المعرفيّ، وربّما إنتاج المعرفة الرصينة حول هذه القضيّة.
- سبك الحجج: هذا من الأعمال النظريّة التي تلي البحث والفهم، وفيه يقوم المناظر بصياغة الحجج وحذف الزوائد منها، لتكون سهلة التداول. انظر إلى الحركة السلفيّة التي غزت العالم الإسلاميّ كلّه عن طريق النسخ واللصق، فهم لا ينتجون معرفة جديدة لكنّهم يتداولون حججا سبكها أسلافهم من المنظّرين، ومع سهولة الردّ على كلّ حجّة منها، كان من الصعب مجادلة قطعان بشريّة هائلة العدد تنسخ لك ما كتبه موقع كذا أو موقع كذا في القضيّة الفلانيّة.
- جمع التبرّعات وإدارة حملات التبرّع: عليك أن تجد مظلّة قانونية للمساعدة في جمع التبرّعات، إذ إنّه عمل يحتاج إلى الترخيص، لكن إذا نشطت فيه، فعليك ألّا تقتصد في معيشتك، لأنّ الناس تتّهم من يجمع التبرّعات بسهولة في أمانته، ونفي السرقة أصعب من الاتّهام بكثير، فعليك أن تكون بعيدا عن الشبهات، وحتّى لو كنت من أسرة ثريّة، يجب ألّا يظهر ثراؤك للناس.
- المقاطعة والدعوة إليها والبحث فيها: وعليك أن تكون علميا في هذا المجال، وألا تستخدم الطرق الانتهازيّة بالكذب، فالكذب لا يعيش طويلا. ابتعد عن تأليف القصص، وتشويه السمعة، وكن حريصا على ألّا تتحوّل إلى مانح صكوك وشهادات، إلّا إذا أقمت مؤسسة بالفعل لهذا الغرض، لتقول للناس مثلا: هذا منتج ملتزم بمبادئنا. كثير من المجالات تحتاج بحثا رصينا هنا، لأنّنا لا نريد الاكتفاء بمقاطعة العلامات التجارية الوقحة فقط، فهم قد يملكون استثمارات أخرى.
- زيارة الجرحى والمرضى وقدامى المحاربين وضحايا الحروب: إنّ من بالغ الضرر على القضايا أن يرى الناس من خدموها وهم يعانون الوحدة والمرض والإعاقة والفقر.
- المبادرات التعليميّة لأبناء الشهداء: كسب التأييد لتأسيس منحة لأبناء الشهداء، أو إنشاء مراكز تعليميّة تهتمّ بهم، وربّما المبادرات التشغيليّة لهم.
- نشر قصص الأسرى والشهداء الإنسانيّة: المستوى الإنسانيّ مهمّ جدًّا في كسب المؤيّدين لقضيّة ما، وصناعة القدوات.
- ترجمة المحتوى إلى لغات مختلفة.
- التشبيك مع الجماعات الموالية لقضيّتك.
- تشكيل جماعات النحل الإلكترونيّ: مجموعة من الناس تتفق فيما بينها على نسخ رسائل محدّدة وإغراق بعض الجهات بها، مع الحذر من التطبيع الإلكتروني والانخراط في حوارات مع العدوّ، أو زيادة عدد متابعيهم كما تفعل الجزيرة.
- النقد الإعلاميّ: عندما تعرف وسائل الإعلام أنّها تحت مجهر الذين يؤيّدون المقاومة وتحت هجومهم الخطابيّ فإنها مضطرة لتغيير خطابها.
- تنظيم الأنشطة الجماعيّة والعمل الجماعيّ وإن كان بعيدا عن القضيّة: ليكن معلوما لديك أنّ الحركات لا تستديم نفسها بالدعوة إليها مباشرة، لكنّها تنشئ مجموعات موازية، وإن كانت ترفيهيّة أو رياضيّة، وتكون هذه مصدر الدم المتجدّد وتمرينا على التنظيم والقيادة.
- انطلق ممّا تُحسن: إذا فكّرت بهذه الطريقة، ستجد أنّك تستطيع شبك مهاراتك ومهنتك بهذا العمل، وتستطيع أن تخرج بمئات الأفكار التي تنفع من خلالها قضيّتك.
