ماذا يمكنني أن أفعل من أجل القضيّة العربيّة في فلسطين؟ (1)

الموضوع واضح ولا يحتاج لمقدّمات، هو تجاوب مع سؤال كثير من الشباب عمّا يمكنهم أن يفعلوا تجاه هذه المأثرة وتجاه هذه المأساة، ولا أدّعي هنا أنّني أقدّم إجابة كاملة لا نقص فيها، لكنّني أحاول أن تكون إجابة تضعك على الطريق الصحيح، لتكوّن الإنسان الذي سيعرف ما عليه فعله أمام أي حدث تاريخيّ كهذا. وهنا أنا أحدّثك وأحدّث نفسي معًا.

أولًا: المهارات النفسيّة

نعم، ما يحدث خطب جلل، وذهولنا أو تجمّدنا لأيّام أمامه أمر طبيعيّ. لكنّنا يجب أن نكون أكثر فاعليّة على المستوى الشخصيّ من أن نجلس لنتلقّى الضربات النفسيّة، وأن نكون فاعلين في الحرب النفسية لا أن نكون موضوعًا لها فقط، وهذه مجموعة نصائح لبناء نفسيّة أكثر تحمّلًا للأحداث. وقد كتبت لا على ترتيب محدّد، ولم يراعَ فيها أن تؤخذ النصيحة الواحدة فيها مستقلّة عن غيرها، بل هي متشابكة متّصلة ببعضها.

  1. النظرة إلى العالم:

أكثرنا يحاول أن يعدّل بناءه النفسيّ والمعرفيّ ليكون إدراكه مطابقًا لما عليه العالم من حوله. أمّا المؤثّرون في التاريخ سواء أكانوا معروفين أو مجاهيل فهم يمتلكون رأيا آخر، وهو أنّهم يميلون دائما إلى تغيير العالم من حولهم وإزاحته ولو ملمترات تجاه الصورة التي يعتقدون أنّ على العالم أن يكون عليها. أي إنّنا نغيّر العالم الذي نعيش فيه أيضًا، ولسنا فقط نتغيّر لنتوافق معه.

هذا لا يعني أن نكون دوغمائيّين (عَقَديّين) في كلّ شيء، لكن في الأشياء التي تشكّل مصلحة عظمى للأمّة من حولنا، وهذا يحتاج للجزء المعرفيّ أيضًا من هذه النصائح، فضلا عن أنّه محتاج إلى التكامل مع النصائح النفسيّة الأخرى.

  • التكيّف مع المصاعب:

لقد مرّ جيلنا بجائحة كورونا، وعرفنا بالتجربة أنّه من الأفضل أن نتحكّم بالقلق، لا أن ندعه يتحكّم بنا. فثمّة أشياء لا يجدي معها القلق المستمرّ والهلع. لا تهلع، مهما تكن المصيبة عظيمة، واعذر الذين يهلعون، فالأمر ليس سهلا. أي اسأل نفسك: ما الذي يقع تحت إرادتي ممّا هو حولي؟ واقصر تركيزك عليه.

وهنا عليك أن تتقن الفصل بين ما يقع تحت إرادتك، وما يخرج عنها، فما أسهل أن تقول: أنا لا أستطيع تغيير شيء. وبالإجمال تستطيع أن تتعامل مع هذا السؤال دومًا على أنّه يطرح على جماعة من الناس معك، لا عليك أنت بصورة فرديّة. فما كان خارج إرادتنا جميعًا بصورة مطلقة فهو أمر نتعامل مع وجوده، لا نحاول تلافيه.

هذا يعني مثلًا: أن تفضّل التبرّع لإسعاف المصابين، والترويج للتبرّع على أن تجلس لتشاهدهم. فالأولى نافعة، والثانية تحوّلك إلى يائس. كذلك علينا تعلّم التعامل مع الهلع الفرديّ والهستيريا الجماعيّة.

  • التعبير عن الذات:

هذه النقطة لا يمكن فصلها عن النقطة السابقة، لكنّها تشمل أمورًا أخرى خارجها. أي إنّه من الحيويّ لسلامتنا النفسيّة أن نعبّر عمّا يجول في خاطرنا، وألّا نكبح ذواتنا إلّا مع حضور سبب نحن واعون به موافقون عليه، مثل أن نتجنّب أن نضعف مجتمعنا، أو نحوّل نظره إلى أمور فرعيّة.

مثلا: أخرج في مسيرة، أشاهد الآخرين الذين يشعرون بما أشعر به، أكتب الشعارات على اللوحات، أصوغ الهتافات، أو أكتب المقالات والشعر والقصّة، أو أصمّم الملصقات وأرسم اللوحات الفنّيّة، أو أقود حملات جمع التبرّعات، أو حملات تغيير الرأي العام، أو أصوغ التعليقات على الأحداث، أو أترجمها إلى لغة أخرى، أو أكتب قصص الأطفال… إلى آخر هذه القائمة الطويلة.

لكنّني في الوقت نفسه يجب أن أدير التعبير عن الشكوك التي تضرّ بالآخرين، مثلا: إذا حصلت مصيبة لعائلتي التي يعينها تديّنها على التكيّف مع المصيبة، فمن المحذورات أن أبدأ بنقاشهم حول الدين من موقف إلحاديّ مثلا لو كنت غير مؤمن، أقول من المحذورات لا من المحظورات، لأنّهم إن كانوا يعتنقون فكرة تعطّلهم عن الفعل، فيجب عليّ تحريضهم على الفعل، حتّى لو اضطررت إلى خوض نقاش غير محبّب. مثلا: يعتقد بعض الناس بأنّ فلسطين لا تتحرّر حتّى ينزل المسيح ابن مريم، أو المهدي أو غير ذلك ممّا يتعلّق بقصص أشراط الساعة، وهنا قد أناقش بأنّ الساعة في أعلى المراجع الإسلاميّة “القرآن” لا تأتي إلّا بغتة، وأنّ الساعة “جاء أشراطها” حسب القرآن، وأنّ على المسلم أن يأخذ بالأسباب تاركًا أمور الغيب للغيب. وهذا نقاش سنعود له في القسم المعرفيّ أيضًا.

وعلينا أن نعي أننا نقوم بكثير ممّا نقوم به لسلامتنا النفسيّة، ولنحسّ أنّنا نافعين، فحتّى لو لم تثمر أفعالنا في العالم من حولنا، فهي لم تزل تملك ثمارها فينا نحن.

  • مهارة تقديم الدعم النفسيّ:

علينا أن نتعلّم من العاملين في حقل خدمة المجتمع، وحماية المستضعفين أن نستمع دون أن نحكم وندين، فإذا كنت متديّنًا وسمعت شخصًا تعرّض لمصيبة ما، أثّرت في تصديقه، فعليّ أن أكبح جماح نفسي التي تريد أن تناقشه في الدين وأن تعظه، بل أكتفي بسماعه وإدارة الحوار بطريقة توصله إلى إدراك ما ينفعه أن يدركه، كما يفعل المعالج. وهنا أنا لا أطالبك بأن تكون معالجًا نفسيًّا، لكن حقق شروط الاستماع الفعّال، والتعاطف الحقيقيّ، ولكي تبقى فاعلا في دعم أقاربك وأصدقائك، فعليك أن تسمح لنفسك أن تتنفّس وألّا تتجمّد أمام هول ما تسمعه.

إذا رأيت عزيزا فقد أهله جميعًا في القصف، فمن المتوقّع أن يكون لهذا ضرر نفسيّ دائم عليك، لكنّ وقوع هذا الضرر سيضرّ بقدرتك على نفع الآخرين، ولذلك فعليك أن تكون واعيًا بنفسك، وأن تسمح لها بعيش حياة طبيعية في أشدّ الظروف قسوة إذا سمحت لها الظروف. قد يلعب الأسير في زنزانة فرديّة مع ذبابة، وقد يستخدم الأطفال الذين تعرّض بيتهم للقصف ركام بيتهم في لعبة السبعة حجار، افعل مثلهم ولا تشعر بالذنب أنّك تستطيع الحياة في هذه الظروف، فالحياة فضيلة تماما كالموت في سبيل الحياة.

  • لا تنفرد:

وهنا أنا لا أعني ألّا تملك وقتا للانفراد بنفسك قليلا لتفكير عميق أو تأمّل أو راحة من عبء التواصل، لكنّني أعني ألّا تنظر لنفسك على أنّك فرد، وأن خلاصك فرديّ.

لو نظرنا إلى الخائن من منظور فردانيّ، لوجدناه شخصًا بحث عن مصلحته المشروعة! الفردانيّة أكبر خطر على المجتمعات التي تواجه التوّحش الإمبرياليّ للنظام الليبراليّ الغربيّ، الّتي لا تملك في منظومتها القيميّة ما يناقض فكرة الخيانة من أجل مصلحة فرديّة، لكنّها تستعير هذا من القيم القديمة لمجتمعاتها، أو تفرضه بقوّة القانون. لكنّ مجتمعاتنا التي أصيبت بهذه العدوى قد لا تملك قوانين راسخة في وعي الإنسان، وكثير من البلدان العربيّة مرّت خلال السنوات الأخيرة بفترات فقد فيها القانون، ولذلك فإنّ العرف الجماعيّ، والانتماء إلى جماعة حصن تجاه الفردانيّة الّتي هي من أهمّ أسباب الهزيمة.

كن عضوا فاعلا في عشيرتك: ماذا لو جمعت عشيرتك باسم شبابها التبرّعات؟ كن عضوا فاعلا في حزب أو جمعيّة أو مؤسسة، لا تكن فردًا وحيدًا في هذا العالم، حتّى إنّك يجب أن تحذر من أن تكون فردًا ينتمي لأمّة كبيرة فقط دون الدوائر التي تصل بينك وبين الأمّة.

هذا بخصوص المهارات النفسيّة، وسأتناول الأمر في مقالة أخرى من ناحية معرفيّة، ومن ناحية عمليّة، ومن نواح أخرى.