سأردّ هنا على طرح يقول: “إنّ الملحمة التي رأيناها كانت مدبّرة لتبرير قصف غزة ومن ثمّ ترحيل سكّان غزّة إلى مصر، مقابل شطب ديونها”.
أوّلًا، نعم هذا يقال حقيقةً، ولست أبتدعه من عندي لأردّ على خصم وهميّ.
ثانيًا، إنّ من يقوله يرى فيه وجاهة لأنّه يرى كلام قناة مكمّلين الإخونجيّة (ويجب عليكم بالفعل الفصل بين الإخوان وحمـ.ـاس)، ويرى تحقيقا في موقع مدى مصر، وكلاما لنتنياهو، وتغريدات لكوهين، فهو ليس أحمق تامّ الحمق، لكنّه غمر بالمعلومات لدرجة أنّه تزعزع من الداخل.
ثانيًا، هذه الفكرة موجودة بالفعل، وهذا بسبب ما يسمّى بنوك الأفكار أو “ثنك تانكس”، لكنّها فكرة فيها شطحة كبيرة جدًّا، وبالتأكيد لم يستمزج فيها المصريّ الذي لن يستقبل شعبا كاملًا يصعب تمييز من منهم ينتمي لحركة مسلّحة وطنيّة لا يحبّ أن تنشط على أرضه، ولا يستطيع تمييز من هو جاسوس بينهم. ونعم غزّة مليئة بالجواسيس.
ثالثًا، هذه الفكرة يتبنّاها كثير من أعضاء حكومة العدوّ، وكانوا يروّجون لما أسموه “الحلّ النهائيّ” الذي سيبدؤون به بعد أعيادهم، أي إن كان القصف فعلا بهدف تهجير أهل غزة، فهو قصف مجدول بصورة سابقة، ولا يعدّ الطوفان مساهما فيه.
رابعًا، افتراض أنّ هذا ممكن بحد ذاته يفترض تقدير قوّة المقـ.ـاومة تقديرا دقيقا، وهذا ما تبيّن أنّه غير موجود بسبب عمليّة الطوفان، التي ليس من الممكن أن تكون أقصى ما عند المقـ.ـاومة.
خامسًا، قصف غزّة كان مجدولًا لمنح بلد عربيّ كبير عذرا للتدخّل والوساطة لرفع الموت عن أهل غزّة، وهذا ما أجّله الطوفان إلى أجل غير مسمًّى.
سادسًا، إنّ ما حدث إهانة للأعداء لا يمكن أن يشتركوا بالتخطيط لها أو يوافقوا عليها. من يقول بذلك ببساطة لا يعرف عدوّه.
سابعًا، لو افترضنا أنّ هذا هو المخطط فعلا، فيمكن تمريره من خلال تأسيس مناطق إدارية خاصّة يمكن لأهل غزّة الإقامة فيها، وسيرحل كثير من الناس من غزّة دون أن يتكلّف الكيان أو داعموه ثمن كلّ هذا السلاح، كلّ طلعة جوّيّة لها تكلفة تذهلك، وكلّ قذيفة صاروخية سعرها يعدّى المئة ألف دولار!
ثامنًا وأخيرًا، العلّة في العقليّة الدينية السائدة في المحيط السنّي الذي يفضّل النظر لكل شيء على أنّه مؤامرة وقدر بدلا من النظر في أسباب الأحداث.
يبقى أنّني أعذر أي شخص لم يكن يشغل نفسه بالاطّلاع سابقًا على التفوّه بحماقات، فهو لن يجتمع له نظر مكين في جوانب متفرّقة خلال زمن الذهول هذا، الذهول بسبب الإنجاز، والذهول بسبب وحشيّة الانتقام.
