الإدراس| في مناهضة المدرسة

عرض عليّ عدد من الأصدقاء عريضة تطالب بتدريس الفلسفة في مدارس الأردن، ولأنني أعلم أن للعرائض أغراضا أخرى، غير طموح تنفيذ ما جاء فيها، فأنا وقعت العريضة، لأزيد في عدد الناس الذين يخشون على بلادهم من نفس التطرف، ومن الانغلاق والتضاد مع العلم، فكيف لي ألا أوقع عريضة كهذه، وأنا أرى وزارة التربية تشترط على المدارس التي تتبع البرنامج الدوليّ ألا تعلّم نظرية التطور؟ تخيّلوا أشمل النظريات العلمية وأرصنها يمنع تعليمها في المدارس!

إذا أردنا تعديل الكفّة لصالح النظرة العلمية، وكبح الجهل المتفشي، فلا بد من الاتحاد في مثل هذه المواقف، ولذلك أوقع عريضة تعليم الفلسفة، علما بأني أزعم أن أسوأ ما سيحدث للفلسفة في بلدي أن تدرس في المدارس، لأنه كما يقول الدكتور نارت قاخون:

إذا أردت للطلبة أن يكرهوا شيئا فدرّسه في المناهج!

هذا ما يقوله واقع التدريس، فالطلبة درسوا اللغة العربية مدة 12 سنة، وهم في الأصل عرب، ولغة الناس اليوم بالركاكة التي نراها، لأن الطريقة التي تُدرس اللغة فيها وتدرّس طريقة عفى عليها الزمن.

كلمة مدرسة في الأصل جاءت من الجذر “درس” وإليك أمثلة على مشتقاته: القبر الدارس أي القبر الذي اختفى. / الرسوم الدارسة أي آثار البيت التي لا تكاد تظهر. / درس الثوبُ أي صار مهترئا. / دراسة القمح أي سحقه حتى ينفصل قشره عن لبّه. أمّا كيف ارتبطت بالتعليم، فهي جاءت من “دراسة الكتاب” أي جعله يهترئ من كثرة القراءة والتقليب والحفظ، ونحن هنا نتحدث عن كتب مخطوطة بخطّ الناسخين قبل الطباعة التي حرمنا منها، نحن العرب، بفضل فتوى عثمانية منعت الطباعة باللغة العربية زمنا طويلا.

ربما كان للمدارس فضل قديما في تعليم الطلبة الانضباط، لكنها لم تعد تفعل ذلك غالبا، ويقتصر عملها اليوم على الاحتفاظ بالأبناء حتى عودة ذويهم من عملهم، وأنها توفّر للأهل وَهْمَ أن أبناءهم يتعلمون حقا، وإذا استثنينا أن الطفل يمرّ في طور عمريّ يجعله كالإسفنجة يمتص كل ما هو محيط به، وبالآتي يتعلّم هو الكثير من وجوده في المدرسة، فإنه ليس للمدارس _كما عرفتها طالبا_ أي  فضل.

ولأن الطالب يمتص الكثير من الأمور السلبية، فإن الحديث عن شيء مثل الإدراس (يسمّى اللامدرسية أيضا) بات ممكنا، والإدراس تعريب للمصطلح الإنجليزي “ديسكولينغ” أي إلغاء آثار المدرسة، وعيش الحياة كأن المدرسة لم تخترع من الأصل، وهي عملية يوصى بها عادة قبيل البدء بالتعلّم الذاتي، لأن الطفل أو الإنسان بحاجة لأن يقابل التعلّم بصورته الأصيلة بعيدا عن الفروض المدرسية والمحاضرات وما سوى ذلك.

إن الإنسان في الحقيقة يتعلّم بطرق كثيرة، والمدرسة ليست من أفضلها، هذا إن لم نقل إنها أسوأ طريقة للتعلم. وآثار المدرسة السلبية لا عداد لها، فهي تكرّس مفاهيم المنافسة والربح، أي أنها تكرّس قيما سلبية، مثل تفضيل الرمز على الحقيقة، كما يفضل البخيل رقما يمثل رصيده البنكيّ على عيشه الحياة كما يحب، ومثل التعامل مع الآخر على قاعدة من التنافس بدلا من التكامل والتعاون. هذا غير التنمّر الشائع في المدرسة من الطلاب على زملائهم، ومن المعلمين على الطلبة، ومن الطلبة على المعلمين، ومن الإدارات على الجميع.

ولا تظنّ أن المدارس المتطوّرة استثناء دائما، فكثير من أعمال فلاسفة التربية ومصطلحاتهم تحوّلت على يد المدارس إلى أصوات جوفاء لا تعني شيئا، بل إن بعض استراتيجيات التعليم التي تشيع في المدارس ما هي إلا تسميات جديدة لأساليب مستهلكة من الأصل. هنا لا حيلة لنا سوى أن نقف مشدوهين أمام قدرة مؤسسة المدرسة _باستثناءات قليلة_ على تحويل كل شيء إلى كلام فارغ، فأين ذهبت جهود ماكارينكو وباولو فيريري وبونو وجارنر وغيرهم؟! تحوّلت إلى مصطلحات تقال في الاجتماعات، ولوحات في ممرات المدرسة، يشعر المعلم بالاغتراب عنها، ولا يحسّ أنها تعالج مشاكله أو مشاكل الطلبة.

الفضول أساس التعلم، الإنسان يتعلّم بسبب الفضول أولا، وبسبب التكيّف ثانيا، ولذلك فإن الطفل يجب أن يمارس التعلّم في بيئته الطبيعية إلى أن يعتاده، ثم يبدأ بملاحقة اهتماماته وكأنه يلعب، بل وهو على الحقيقة يلعب، ويفكر في لعبه وملاحقة فضوله، وهكذا فهو بعد مدة من الزمن، سيكون قادرا على تعليم ذاته بصورة واعية. إذا لم تكن هذه هي مسيرة التعلّم، فإن المفاجأة ستؤجل لسنوات العمل والإنتاج، ليصطدم الطالب السابق بأنه عندما مارس العمل، كان طالبا مثاليا للمرة الأولى في حياته، هذا إن لم ينجح النظام التعليمي بقتل الإنسان داخله.

حتى ما نسميه جهلا وخرافة، لولا وجود المدارس، لكان وجوده محمودا، فالطفل سيعرف عاجلا أم آجلا أن كثيرا من القصص التي يعتنقها مجتمعه، ليست سوى سرديات قصد منها تعليمه شيئا ما، وهي حقيقية بقدر ما تؤدي غرضها الحقيقي، أما اليوم فالطفل يعرف أن سانتا كلوز، مثلا، خرافة لأن المدرسة تصنفه كذلك، لكنه لا يقيس فكرة سانتا على خرافات أخرى، كان القصد منها دفعه لسلوك أو شعور ما، لأن المدرسة لا تصنفها خرافة. وهذا موضوع رسالة دكتوراة اسمها بيداغوجيا الخرافة “بيداغوجي أوف ميثوس”، لمن أراد أن يطلع عليها، وهي تناقش خرافات عصرية أيضا، فالمجتمع يعلم أفراده من خلال الخيال القصصي، فلا تظنّ أنّ الجدّات كنّ يلعبن عندما يجمعن أحفادهنّ ليحكين لهم حكاياهنّ!

ربما كان علينا إغلاق المدارس مدّة من الزمن، ونشر عدوى التعلّم بطريقته الطبيعية، حتى نصل إلى طالب متعلّم، ومعلّم متعلّم، ومؤسسة تعليمية متعلمة، تضجّ بالأيض المعرفيّ، فتبني أفكارا وتهدم أخرى، وليست تتضخّم بصورة سرطانية حتى تأكل يوم الطفل كله، وبالتالي عمره المدرسيّ كلّه.

لكن للأسف تدبو هذه مغامرة غير محسوبة مع أوضاعنا الحالية.