لماذا علينا ألّا ننساق للخطاب الإنساني؟

أستطيع أن أجيب ببساطة لأنه خطاب معادٍ لنا، ولكن يبقى التفصيل في ذلك هو الحكم على صحة الفكرة، فبالنسبة لنا نحن ضمن الإنسانية، فكيف يكون الخطاب “الإنساني” معاديا لنا؟! هنا يتوجب علينا وضع كل شيء في سياقه الصحيح ليتسنى لنا الحكم على جدوى الخطاب وخطره.

أولا – لابد من فهم أن الكيان الصهيوني ليس موجودا بسبب شفقة المجتمع الدولي على اليهودي، بعد ما حصل له في خرافة المخرقة النازية كما يسوق البعض، فوعد بلفور سابق عليها بعقود، حتى أنه هو ذاته أي وعد بلفور جاء بعد أقل من مئة سنة من بدء المؤامرة، حيث تبدأ القصة من عند اللورد هنري فيسكاونت بالمرستون الذي اقترح عام ١٨٣٢ م أن يفصل جسد الوطن العربي بإنشاء كيان غريب غربي الولاء، لتأمين طرق التجارة، قبل انهيار الاستعمار التركي، وقام الأتراك (السلطان عبد الحميد تحديدا) بالسماح بهجرة اليهود إلى فلسطين بضغط من السفارات الأوروبية المتوافقة على مخطط بالمرستون وهكذا هاجر قرابة ٨٤٠٠٠ صهيوني بفعل الأتراك وأوروبا الاستعمارية، وهذه النقطة تفيدنا في أمرين(تحت هذا البند):

     أولا: استدرار الشفقة الغربية ليس ذا جدوى لنا، خصوصا وأن التحالف اليهودي الصهيوني – الغربي لم يقم على الشفقة.

     ثانيا: مجرد الوجود الصهيوني هو خطر على الأمة العربية كاملة، فالقضية ليست سلوك هذا الصهيوني فلو كان غاية في التهذيب والأدب فهو خطر علينا، ووجوده يقتلنا.

ثانيا – الغربي عنصري ولا يرى غيره من البشر على أنهم بشر، حتى في العلوم هو يدرسهم من خلال علم مستقل عن العلم الذي يدرس به تاريخه، وكأنهم ضرب من الحيوانات، ويتعدى الأمر ذلك إلى أن يبرر لقتل أي أمة بدافع الاستعمار حتى لو كان الاعتراف بكون أجداده قتلوا أجداد تلك الأمة لن يغير شيئا، بل وإنه عندما تقلد سائر الشعوب الأخرى الشعوب الغربية بفكرة الدروع البشرية فهو يراهم صراصير، بينما لو كان هناك “إنسان” غربي واحد في الدرع البشري، فهو ينظر له على أنه إنسان يختلف معه ويحاول تحييده، وفوق ذلك كله فهو يسمي هزيمته هو أو حليفه الصهيوني مقابلنا فشلا، أي أنه لا يعترف بوجود إرادة مقابل إرادته أصلا.

ثالثا – عندما يشيع بين الجماهير العربية أن الجريمة الصهيونية جريمة لأن الصهيوني يقتل النساء والأطفال والمدنيين، فهذا يرد الأمر إلى مرجعية خاطئة، تجعل استهداف المقاومين للأهداف المشروعة في المدن الصهيونية من غير الجنود الصهاينة جريمةً أخرى مقابلة ومساوية لها، وتصبح المفاضلة بين “الجريمتين” متعلقة بالأعداد، لذلك يميل أصحاب هذا الخطاب لمصطلحات مثل “حصيلة الضحايا” وما إلى ذلك من تشييء وترقيم للإنسان العربي في فلسطين. وهنا نكون انتقلنا من عدم جدوى هذا الخطاب إلى خطره الحقيقي وبهذا يصبح الصاروخ المتطور الذي يقتلنا أفضل عندنا من الصاروخ البدائي الذي نقتل به عدونا لأنه فقط دقيق التهديف!

رابعا – هذا الخطاب يخرج الغربي من كونه عدوا، إلى كونه طرفا محايدا، وهذا تسطيح لفهم المعركة وتعهير للقضية، فإذا أردت أن تعرف المجرم، فانظر إلى أصل القضية، فإن لم تقنع بما قدمته لك، فانظر إلى حرص حلف الناتو على الكيان الصهيوني الآن لا في “الماضي البعيد”، فهو ما يزال بوابته للهيمنة على المنطقة من خلال تجزيء وتقسيم الوطن العربي، وإثارة النعرات بين أبناء الأمة، وتأمين المصالح الغربية… إلخ، ثم ماذا عن العدوان الغربي على سائر الأقطار العربية، من غزو للعراق، وليبيا، وتقسيم للسودان، وتهديد أمن مصر وما إلى ذلك، فهل هذا الغربي طرف محايد!

قد لا يجد العربي المسلم والمسيحي ضيرا من إدانة قتل الأطفال والنساء والمدنيين، لأنه بالفعل يريد أن يقاتل من يقاتله، ويطرد البقية ولا يعرف نفسه على أنه دموي ثأري بل يحاول أن يكون مقتصدا في العداوة، بحيث لا ينجر لعنصرية الغربي القذرة، وإلى عنجهية الصهيوني، إضافة لكوننا نحن من يتعرض للقتل الآن! ولكن عدا عن كل ما ذكرنا من بنود في الأعلى، فلننظر للصراع بما هو عليه من صراع وجودي تناحري، على أحد الطرفين فيه كسر الطرف الآخر وإبادته إن استطاع.

أي أن الجنين الصهيوني في بطن أمه عدو، وهدف مشروع للمقاومة العربية على أرض فلسطين، وهذا يمكن فهمه عبر ثلاثة بنود أي منها كاف لتثبيت المفهوم بمفرده:

أولا: المجتمع الصهيوني ذكرانا وإناثا مجتمع عسكري، أي أنهم كلهم جنود، فالمرأة “المدنية” كالرجل “المدني” هي جندي أو جندي احتياط أو جندي سابق، ولا وجود لخرافة تدعى “مدني صهيوني”، والشيخ والشيخة جنود سابقون يجب الثأر منهم، والأطفال جنود قادمون إن لم تقتلهم سيقتلوك، ومن يعفى من الجندية هو متطرف ديني قد يكون الوحيد الأقبح من الجندي الصهيوني، وسواهم مساحيق تجميل للوجه الصهيوني وجسر من جسور التطبيع مع العرب، فهو أيضا يستهدف وجودنا، أي أن كل فرد صهيوني هو جندي عسكري أو جندي ديني أو جندي سياسي، وكلهم مذنب وقتله مشروع هذا بفرض أنه فرد أصلا! والأصل عدم تجزيء العدو، والنظر له كمجموع معادي وفقط.

ثانيا: التهديد الصهيوني للعرب ليس مقتصرا على القتل، فالجريمة الصهيونية تبدأ من الوجود على أرض فلسطين، ورغم كل ما تمتد إليه فهي تنتهي إلى الوجود على أرض فلسطين أيضا، ومجرد الوجود هو تهديد للأجيال العربية القادمة، وسبب في كسر الإرادة العربية، ناهيك عن كونه مشروعا توسعيا يهدد أقطارا عربية أخرى تهديدا مباشرا، لذلك فكل يهودي وجوده على أرض فلسطين ترتب على المخطط الغربي بعد ١٨٥٠ م (انشاء صندوق استكشاف فلسطين) هو هدف وهذا يشمل كل اليهود فيما عدا يهود السامرة العرب الفلسطينيين، وهذا يعني باختصار : أن الصهيوني أداة غربية تهدد وجودنا وقبل على نفسه أن يكون كذلك وحتى في الصراع المتكافئ أنت لا يمكن أن تتجنب الهجوم على أدوات عدوك بحجة أنها أدوات! عدا عن أن كل شهيق من هواء فلسطين السليبة يتنفسه الصهيوني هو جريمة لأنه ليس من حقه.

ثالثا: أن نقتل أي صهيوني في صراع نطلب فيه استعادة أرضنا السليبة كاملة، مهما كان هذا الصهيوني (امرأة / رجل / شيخ / طفل رضيع/ جنين) فهو ليس ذنبنا حتى ولو اعتبرناه ذنبا، فقد قتله من جاء به إلى هنا واستخدمه كأداة، ولو كان إنسانا بحق فليخرج من أرض غيره، وإن لم يكن مسؤولا عن أفعاله فليخرجه المسؤول عنه، وإلا فهو المذنب في “إزهاق روح بريئة” لا نحن!

مرة أخرى ولتلخيص ما سبق هو هدف مشروع لأنه : ١. جندي حالي أو سابق أو لاحق. ٢. لأن وجوده يهدد وجودنا. ٣. لأنه هو من كتب على نفسه القتل بقبول دوره السابق. هذا مرة أخرى مع فرض أننا قبلنا النظر له كفرد، والأصل أننا ننظر له كجزء من المجتمع الصهيوني فخبازهم يساند جنديهم، ومزارعهم كذلك، ومعاداة المجموع تقتضي معاداة الأفراد بالضرورة ما دام الصراع وجوديا.

وبعد هذا كله فالانزلاق لخطاب “حقوق الإنسان” بدلا من حقوق الناس والشعوب، و “الشرعية الدولية” بدلا من الحق الطبيعي، و غير ذلك من مفردات العدو الغربي وأداته الصهيونية، هو أول خطوة في طريق الاصطفاف مع الغربي ضدنا، وهو غير مجدٍ كما برهنت لك وكما يثبت الواقع، وهو خطير على وجودنا، ويضيّق على المقاومة المشروعة بأي وسيلة كانت ما دامت تخدم المقاومة بالسلاح، وعلى رأسها العمل الاستشهادي بغض النظر عن آرائنا الشخصية.

النتيجة: إن كنت بحق تدين الجريمة الصهيونية، فلا تتورط بالحشد ضدها، بل اقصد للحشد ضد المجرم، لأن الفصل بينه وبين جريمته أوّل التخاذل.