التصويت ليس هو الديموقراطية!

“خلال هذا المساق الممتدّ لأسابيع ستتعلّمون ما يمكن تلخيصه في جملة واحدة: الذي يقرّر النظام الانتخابيّ يتحكّم بنتيجته.” بهذه الجملة التي ألقاها علينا بثقة مطلقة بدأ المدرّب مساق (تصميم نظم الاقتراع).

خلال المساق تعلّمنا أنّ نظام الاقتراع في الأردن آنذاك ليس له إلّا شبيه واحد في إحدى الدول الصغيرة المجهولة، والتي لا أستطيع تذكر اسمها، لكنني أتذكّر أنها جزيرة.



منذ ذلك الحين، حدث “تطوير” على نظام الاقتراع، وهو مقتصر على اشتراط نظام القوائم دون تعديل على التقسيم المناطقيّ، والكوتات، والمقاعد المقسّمة بناء على حسابات أخرى غير “مجرّد المواطنة”.

الذي فعله نظام القوائم يقتصر على زيادة نسبة التصويت لأسباب جهوية، فمن كان ابن عمّه ضمن قائمة ما، أو أخوه مثلا، ذهب ليصوّت بعد أن كان من غير المرجّح أن يصل إلى مركز الاقتراع.

فوق مسألة التصويت المناطقيّ، ونظام الصوت الواحد، أو ما حلّ مكانه تماما دون أن يختلف عنه “نظام التصويت للقائمة المرشّحة عن منطقة”، وغيرها من العيوب المعروفة، ثمة مشكلات أخرى أمام وصول مجلس نيابيّ ممثّل للشعب إلى البرلمان:

  • كثير من الأحكام الجنائية تأتي على خلفية سياسية لا جنائية، وهي تمنع فئة محدّدة من الترشّح.
  • ضعف الرقابة الذي يسمح باستخدام المال السياسيّ لشراء الذمم استثمارا بها في فساد قادم.
  • تردّي الحال تعليميّا وإعلاميّا مما يجعل القواعد الانتخابية هشّة ضعيفة قابلة للاستغلال.
  • عدم وجود سقف محدّد لميزانية الحملات الانتخابية، وهو ما يحصر احتمالات الوصول إلى المقاعد في فئة طبقية محدّدة.
  • التغاضي عن الخطاب السياسي الديني، والسماح باستغلال النفوذ الديني في الإطار السياسيّ.
  • عملية نقل الهويات، وممارسة الوساطات، وسائر ما يقوم به مكتب المرشّح.
    هذا عدا عن النقاط التي أشرت لها في المقدّمة، والتي يمكن تلخيصها بما يأتي:
  • تقسيم المقاعد بغرض التمثيل المناطقي لا الفكريّ. لو افترضنا أنّك اشتراكيّ مثلا وثمة 30000 اشتراكيّ في الأردن، وهذا العدد من الأصوات كفيل بنجاحك، فأنت يجب أن تقنعهم أن يسكنوا في ضمن دائرتك الانتخابية، وإلّا فأنت لن تحصل على عشر عدد الأصوات.
  • فرض نظام القوائم إضافة على نظام التصويت الذي سبقه لا بدلا منه أدّى إلى نشوء “صناعة” أو باب للرزق اسمه (الحشوات)، وفي هذا النظام يخسر العضو المبدئي “النظيف” في القائمة الذي طلب من قواعده أن ينتخبوا جميع أعضاء القائمة، ويفوز من طلب من قواعده أن يقتصروا على التصويت له حصرا دون زملائه الحشوات.

كيف يسيطر مقرر النظام الاقتراعي على نتيجة الانتخابات؟

لنضرب مثالا عمليّا تسهيلا للفهم:

لدينا في الصورة ثلاثة مواد، وثلاثة ألوان، وثلاثة أشكال موزّعة عشوائيا على تسعة عناصر، بينهم عنصر واحد لديه نقطة خضراء.

تستطيع تصنيف العناصر باستخدام أي عيار: مثلا اللون، أو الشكل، أو المادّة التي صنعت منها.

هذا التصنيف يشبه الانتماءات المتعدّدة التي لدينا، فمثلا قد تكون: شركسيّا مسلما تسكن صويلح، وقد تكون مسيحيّا عربيّا تسكن السلط، وقد تكون أي تركيبة أخرى.

عندما تطلب من الأشكال التي في الصورة أن تنتخب فأنت لا تحدّد الكيفية التي تنتخب فيها، لكنها في كل الأحوال تنتخب من يتقاطع مع عناصر المجموعة أكثر.

فإذا طلبت منها أن تنقسم إلى مجموعات لونية، فإن المجموعة الزرقاء ستنتخب المكعّب الحديديّ، لأنه يشترك مع الكرة في كونه حديديّا، ويشترك مع المكعب الخشبي في كونه مكعّبا.

وإذا أردت أن لا ينجح المكعّب الحديديّ في الانتخابات، فما عليك سوى أن تجعل المجموعات تتشكل بناء على شيء آخر غير اللون: الشكل، المادّة، الترتيب في الصورة. حاول اكتشافه؟

وفي كل الأحوال تستطيع استدخال نقطة خضراء على أي مرشّح ليكون ضمن الكوتا، فترجح كفّته في كلّ مرّة.

وتبقى نسبة ضئيلة من المرشّحين الذين يفوزون بسبب قوّة وضعهم كالهرم البلاستيكي الأحمر، لكنّك تستطيع تدبير محاكمة له بجرم جنائيّ ما، وهكذا يخرج من اللعبة، أو تبقيه كمسحوق تجميل لممارستك “الديموقراطية” دون أن يكون قادرا على فعل شيء بسبب كونه أقليّة في المجلس المنتخب.

تكمن خطورة الأمر في أنّ بعض الحسابات الطائفية أو العنصرية تكون نائمة في المجتمع وغير فاعلة، لكنّ مصمّم النظام الانتخابي يوقظها، مما يعني دمار المجتمعات، كما حدث في العراق مثلا.