“ما بعد الحداثة” #6| سلسلة مقالات ميسّرة

في المقالة السابقة، حاولنا وزن 11 مفترقا في طريق قبول سردية “ما بعد الحداثة”، واكتشفنا أنها ليست مسلمات كما يُدّعى، وسنكمل الآن بقية المفترقات، بقية مفاصل هذه الفكرة:

12- كل فرد فينا محكوم بالأطر الذهنية لجماعته، فهو في النهاية عضو في الجماعة التي يختارها.

لن نجد اختلافا كبيرا حول هذه الفكرة، لأنه من الملاحظ أن العقل الفرديّ هو في غالبيته نتاج العقل المجتمعيّ لجماعة ما، لكن موطن الخلل في هذه الفكرة هو كلمة “جماعته”، فالذهن الفردي ليس نتاج أي جماعة، يمكن أن نقول إنه نتاج جماعة لغوية مثلا، أو مجتمع مغلق، أو أمّة إثنية، أو قومية ما، لكنه ليس نتاجا للجماعة حسب النظرة الـ “ما بعد حداثية”.

فليس بين النساء مثلا في “جماعة” ما _حسب التصنيف الـ”ما بعد حداثيّ”_ ما يجعلهنّ مجتمعا قادرا على تشكيل ذهن الأفراد من نساء في المجتمع الكبير، قومية كانت أو بلدا أو قرية. بسبب هذا، نستطيع أن نقول أن الفكرة هنا مضللة جدّا.

13- ننظر للعالم كجماعات، كل جماعة حسب طريقتها في تعريف نفسها كجماعة، مهما بدا هذا التعريف شاذّا بالنسبة لنا.

هذه النقطة مرتبطة بالنقطة السابقة، فتقسيم البشرية إلى جماعات لا يقوم بهذه الطريقة، أي إنّ عياره ليس مجرّد تعريف الجماعة لنفسها، فالتقسيمات تقوم على ما يستطيع بالفعل تشكيل وعي مشترك بين الأفراد داخل الجماعة، ولهذا فإننا ننظر للعالم كجماعات متخلّقة بالفعل، وليس كتصنيف في رأس “ما بعد حداثية”، قوميات أو طبقات أو اجتماعات جغرافية سياسية… إلخ.

وإذا بدا التعريف شاذّا فنبحث عن سبب شذوذه، وغرابته، ولا نقبله فقط لأن فلانا قال به. عليه أن يقدّم البرهان المنطقيّ على كون هذه الجماعة جماعة متخلّقة ناجزة بالفعل.

14- تتساوى كل فكرة جماعية مع كل فكرة جماعية أخرى.

لا تتساوى الأفكار بهذه الطريقة على الإطلاق، الأفكار تتفاضل حسب عملانيّتها، وكفاءتها التطبيقية، وقدرتها على دراسة العالم وتفسيره، والتنبؤ بسلوكه، والتحكّم به، أي قدرتها على أداء وظائف العلم.

أمّا منح الأفكار اعتبارا بسبب مصدرها فهو مغالطة شهيرة اسمها مغالطة المصدر.

15- الأفكار المتناقضة بين الجماعات التاريخية والجغرافية المختلفة متساوية.

حتى لو تساوت الجماعات، فالأفكار ليست متساوية كما بيّنّا من قبل. ثم إن الأفكار داخل الجماعة الواحدة تتفاضل فيما بينها، حتى في درجة مركزية الفكرة لدى الجماعة، بعيدا عن أدائها لوظائف العلم، والجماعات أيضا تتفاضل في كونها قادرة على تشكيل وعي الأفراد داخلها أو غير قادرة، وفي قدرتها على التواصل، وفي درجة “تحضّرها”.

16- لكل جماعة حقيقتها الخاصة.

الحقيقة هي أن لكل جماعة ناجزة متخلّقة معتقداتها الخاصة، وهذه المعتقدات ليست حقائق. فكلمة حقيقة جاءت من مطابقة الواقع بالفعل، ولذلك فلا نستطيع وصف مجموعة هلوسات منتشرة بين جماعة من المدمنين بكونها حقائق! هذا هراء محض.

17- لا وجود للحقيقة المطلقة.

ثمة فرق كبير بين ادّعاء عدم وجود حقيقة مطلقة، وحسبان هذا الادّعاء حقيقة مطلقة، من جهة، وبين كوننا نحاول الوصول للحقيقة المطلقة فنعجز.

المثال المشهور لهذا الادعاء هو تجربة ذهنية تقول: لو جمعنا عددا من الأشخاص الذين لا يعرفون شكل الفيل، وتركناهم في غرفة معتمة مع فيل، فكل منهم سيخرج باعتقاد مختلف عن ماهية الفيل، أحدهم سيلمس الخرطوم فيظنّ الفيل كائنا طريا طويلا، وأحدهم سيلمس الناب فيظنّ الفيل كائنا صلبا حادّا، وأحدهم سيلمس الذنب فيظنّ الفيل حبلا! وتستنتج التجربة أننا لن نعرف حقيقة شكل الفيل.

التجربة الذهنية في الحقيقة مضحكة جدّا، وتقنع بعض الناس، لكنها لا تلتفت إلى وجود الفيل نفسه، فلولا وجود الفيل لم تتكوّن عنه وجهات النظر.

إذًا، فعلينا أن نسلّم أولا بوجود الحقيقة المطلقة (الفيل في التجربة)، ثم نتفاضل في درجة مطابقة أفكارنا لها. أي أننا نسلّم بأننا نملك آراءً ووجهات نظر، ولا نملك الحقيقة المطلقة، لكنّنا نتعامل مع الواقع على أنه ثمة حقيقة مطلقة بالفعل، وتتفاضل آراؤنا بدرجة اقترابها من الحقيقة الموجودة بالفعل، وهذا نعرفه بوساطة رصد كفاءة الفكرة في أداء وظائف العلم.

انتهت جولتنا مع مفاصل درب قبول عائلة الأفكار المسمّاة “ما بعد الحداثة”، وتبيّنا أن الانحراف يزداد مع المتابعة أكثر في الدرب نفسها؛ تبدأ المنعطفات بانحراف بسيط عن الصواب، ثمّ تصل إلى باطل صرف ليس فيه جنس الحقيقة.

لكن يجب أن ننتبه إلى نمط تكرر في صياغة هذه الأفكار المفصلية، وهو حريّ بالتقعيد له لاعتماده كمغالطة منطقية تضاف على لائحة المغالطات المنطقية المشهورة، بعد ابتكار اسم لها.

سنسكّ اسما لهذه المغالطة، ونشرحها شرحا وافيا:

مغالطة الاعتماد (Submission Fallacy) 

تقوم هذه المغالطة على مركّب مصنوع من ثلاث مغالطات، وهي:  مغالطة الاختزال، ومغالطة التوسّع، ومغالطة المنحدر الزلق.

يقوم المغالط باختزال الملاحظة التي وصل لها إلى مقولة مجملة، وهذا الاختزال لا يعطي صورة دقيقة عن الفكرة، لكنه يعتمده كمنطلق للفكرة التي تليها.

عند اعتماد المقولة كمنطلق للفكرة التالية، يُصار إلى توسيع الفكرة المختزلة بطريقة تنحرف عن أصلها الذي تمّ اختزاله من قبل.

وعند تكرار هذه العملية مرة بعد مرة، في سلسلة متصلة من المقدمات والنتائج، تشبه سلسلة الأحداث في مغالطة المنحدر الزلق، التي تشكو من عدم وجود تلازم حقيقي بين حلقاتها، فيزداد الانحراف عن الصواب إلى درجة عظيمة.

يجب وضع مثال مختصر للمغالطة لكي تبدو بصورة جلية، لكنني سأكتفي بدعوى “ما بعد الحداثة” كمثال لهذه المغالطة.

إذًا، علينا قبل اعتماد مقولة اختزالية ما على أنها منطلق للنقاش، أن نتأكّد من كونها تعبّر عن الفكرة الأصيلة بصورة دقيقة، وأن نحذر من التوسع في الفكرة عند البناء عليها، ثم أن ننتبه لسلسلة العلاقات بين المقولات المقدّمة في سبيل إثبات فكرة.

عموما نستطيع أن نقول: إنّ الأفكار التي تصل إلى هذه الدرجة من التعقيد لا يجب أن تقبل بسهولة، لاسيّما إذا كان مؤدّاها بسيطا لدرجة ترجّح أن التعقيد المفضي إليها كان مجرّد ذرّ للرماد في العيون.

مثل أن يحاول أحدهم إثبات أن 1=2 باستخدام معادلات طويلة ومعقدة، فهو على الأغلب وقع في مغالطة الاعتماد.

أتمنّى أن هذه السلسلة كانت كافية لتوضيح الخلل في الأفكار الـ”ـما بعد حداثية”، وسنتناول الموضوع من جوانب أخرى، في مقالات ملحقة.

تمّت.