“ما بعد الحداثة” #5| سلسلة مقالات ميسّرة

تطرقنا في المقال الثالث من هذه السلسلة إلى الدروب الفكرية المؤدية لقبول عائلة الأفكار المنتمية لـ”ـما بعد الحداثة”، وشرحنا المقصود منها، وهي للتذكير، دون شرح:

1- اللغة مكوّنة من رموز.

2- الرموز اعتباطيّة.

3- لكي ندّعي فهمنا الكامل لمعنى رمز ما، يجب أن نعرف معنى كل الرموز في شبكته.

4- نحن محكومون بما نعرفه من الشبكة الرمزية الاعتباطية في كل أفكارنا.

5- كل حقل معرفيّ هو في النهاية مجموعة من الرموز، ولذلك ينطبق عليه ما ينطبق على اللغة.

6- حتى من داخل العلم نفسه فإن العلم يعترف بأننا نقارب التجارب العلمية بافتراضات مسبقة، ولا يمكننا التحقق من افتراضاتنا جميعا.

7- شبكات الرموز المختلفة شيء ذهني متجانس، ولا صلة حقيقية بينها وبين الواقع.

8- الواقع هو ما نظّنه واقعا.

9- بما أنّ كل الأطر الذهنية محكومة للذاتية، فليس من جدوى للحديث عن الموضوعية.

10- تفاضل الأفكار بين بعضها متعلق بتفاضلنا نحن كذوات معتنقة لهذه الأفكار.

11- نحن متساوون بصفتنا ذواتا، وليس لأحد الحق بإلغاء الآخر.

12- كل فرد فينا محكوم بالأطر الذهنية لجماعته، فهو في النهاية عضو في الجماعة التي يختارها.

13- ننظر للعالم كجماعات، كل جماعة حسب طريقتها في تعريف نفسها كجماعة، مهما بدا هذا التعريف شاذّا بالنسبة لنا.

14- تتساوى كل فكرة جماعية مع كل فكرة جماعية أخرى.

15- الأفكار المتناقضة بين الجماعات التاريخية والجغرافية المختلفة متساوية.

16- لكل جماعة حقيقتها الخاصة.

17- لا وجود للحقيقة المطلقة.

وهنا علينا بيان النتن في كل مفصل من هذه المفاصل، ولو استطعنا نقض أحد هذه الادّعاءات فنحن نكون قد أسقطنا فكرة “ما بعد الحداثة”، لكنني أظنّ أن الادعاءات الممكن نقضها من هذه المجموعة أكثر مما تتخيّل.

واحدة، واحدة:

1- اللغة مكوّنة من رموز.

هذه فكرة حقيقية، فاللغة _أي لغة_ مكوّنة بالفعل من رموز، لكن علينا أن نوضّح أن هذه الرموز حتى تكون لغة، أي سبيلا للتواصل بين الأفراد، فهي بالتأكيد نتاج مجتمعي، وليست مجموعة رموز يطلقها فرد، فحتى اللغات المخترعة، كالسبرانتو والعبرية الحديثة، اتكأت على رموز سابقة لها في لغات أقدم منها، أنتجتها مجتمعات.

إذا لابدّ من التواطؤ المجتمعيّ على الرموز لتكون لغة، وهذا يستدعي أنّها ليست رموز فقط، ولكنها مجموعة رموز وعلاقات مع أشياء، يختبرها عدد كبير من الأفراد، ويستقرّ لهم نظام علاقاتها مع الأشياء المدركة في البيئة الواقعية.

2- الرموز اعتباطيّة.

ما شرحناه في النقطة الأولى ينقض هذا، فالرموز ليست اعتباطية تماما، إذ إنّه لابدّ للمفردة من تاريخ في تجربة مجتمع ما لكي تعني شيئا، فالعلاقات لا تتولّد بين الرموز والأشياء بصورة اعتباطية.

رموز الكانجي مثلا يمكن تتبع علاقتها بمعانيها، راجع كتاب “تشاينيزي: الصينية سهلة”، وهو كتاب مصوّر يوضّح علاقة الرموز بالأشياء التي ترمز لها، وكذلك أصوات العربية، راجع كتاب العين للخليل ابن أحمد الفراهيدي، فالأصوات بحد ذاتها لها معانٍ مشتقة من الإحساس بنطقها، وتتراكب هذه الحروف لتشكّل الجذر، ثم تدخل على النظام الصرفيّ للغة.

إذًا ففكرة دوسيسير هذه ليست دقيقة تماما، فهو لم يفحص إلا المنتج النهائي، أي نظر في المفردة فلم يجد ما يربطها بدلالتها بعيدا عن تاريخها، ولو بحث في تاريخها لتراجع.

 3- لكي ندّعي فهمنا الكامل لمعنى رمز ما، يجب أن نعرف معنى كل الرموز في شبكته.

هذا ليس دقيقا، فالطريقة التي يتعلّم بها الأطفال لغتهم الأم، تقول شيئا آخر: تنشأ العلاقة بين الصوت أو المفردة والشيء الذي تدّل عليه بوساطة التكرار، ولذلك فإن الطفل يعرف معنى كلمة “جوعان” مثلا، دون أن يعرف معنى كلمة “أرستقراطي”.

أما الحديث عن الفهم الكامل لدلالة الكلمة فهو حيلة، لأنّنا لا ندّعي الفهم الكامل لأي شيء، حتى لو كنّا نحفظ القاموس، لكنه فهم كافٍ، وأكثر من كافٍ.

4- نحن محكومون بما نعرفه من الشبكة الرمزية الاعتباطية في كل أفكارنا.

هذه هراء، لأننا في الحقيقة يمكننا أن نفكّر بالأشياء دون أسمائها، ولذلك فنحن محكومون لما خبرناه، وليس بالرموز التي نعرفها مسبقا، وإلا لما كنّا تعلّمنا رموزا جديدة دون تعريفات تشبه تلك التي في القاموس.

اللغة التي نتقنها أفضل إتقان، لغتنا الأم، نتعلّم أغلب رموزها دون شرح.

5- كل حقل معرفيّ هو في النهاية مجموعة من الرموز، ولذلك ينطبق عليه ما ينطبق على اللغة.

في الحقيقة كل حقل معرفي يحتوي على شبكة الرموز، لكنه لا يتكوّن حصرا منها!

6- حتى من داخل العلم نفسه فإن العلم يعترف بأننا نقارب التجارب العلمية بافتراضات مسبقة، ولا يمكننا التحقق من افتراضاتنا جميعا.

هذه متعلّقة بدلالة كلمة التحقق، فنحن لا ندعي أننا نصل لليقين في أي شيء كان، لكن التجربة الإمبريقية، والضبط المنهجي العلمي لها، ومقارنة النتائج، كل ذلك يسمح لنا باستبعاد أكبر كم من الأخطاء، والاكتفاء بما يمتلك قيمة عملية تجريبية، نقرّ أنها أصوب ما لدينا، ونبحث عن صورة أصوب لها.

لذلك؛ نعم، لا يمكننا التحقق من افتراضاتنا جميعا، ولكن يمكننا التحقق من اتساق هذه الافتراضات مع الطريقة التي يعمل بها العالم، ولهذا فمعنى الجملة كما هو مردود، ويحتاج الكثير ليكون دقيقا!

7- شبكات الرموز المختلفة شيء ذهني متجانس، ولا صلة حقيقية بينها وبين الواقع.

الصلة بين شبكات الرموز وبين الواقع وُضّحت من قبل، ولذلك فلا داعي لإعادة النقاش مرة أخرى.

8- الواقع هو ما نظنّه واقعا.

لا، الواقع هو الواقع، ونحن نحاول الوصول للصورة الأدق عنه، وليس كل ما نظنّه واقعا يصبح واقعا، لاسيما أننا نتحدّث عن جماعات، فثمة عدد كبير من الأذهان تعالج هذا الظنّ، لتتأكد من كونه واقعا.

9- بما أنّ كل الأطر الذهنية محكومة للذاتية، فليس من جدوى للحديث عن الموضوعية.

كلمة محكومة للذاتية هنا تتجاهل النسبة، فبأي نسبة بالضبط هي محكومة للذاتية؟ في الحقيقة هي محكومة للذاتية بنسبة قليلة جدّا، وليس للذاتية، بل للوعي الجمعي لمجتمع ما.

ثمّ أليس كل ما سبق هو محاولة للحديث بموضوعية!

 10- تفاضل الأفكار بين بعضها متعلق بتفاضلنا نحن كذوات معتنقة لهذه الأفكار.

بالعكس تماما، فتفاضلنا كذوات متعلّق بقدرتنا على التفكير بأفكار، وتحقيقها، واعتناقها.

11- نحن متساوون بصفتنا ذواتا، وليس لأحد الحق بإلغاء الآخر.

نحن متساوون في الحق بالحياة، وغير ذلك من الحقوق الأساسية، لكننا لسنا متساوين في نفعنا للناس، ولسنا متساوين في قوّتنا، ولسنا متساوين في كثير من المجالات.

وللجميع الحق بالدفاع عن نفسه أمام الإلغاء، لكن أكبر إلغاء للتاريخ البشري هو ما تقول به هذه الفكرة، فهي تلغي الآخر ولا تعترف به إطلاقا.

سنكمل البنود الأخرى لاحقا، لأننا بحاجة أن نتوسّع قليلا في بعضها.