“ما بعد الحداثة” #4| سلسلة مقالات ميسّرة

ما وراء ما بعد الحداثة عمليًّا

في المقال السابق ناقشنا المفاهيم التي تقف وراء “ما بعد الحداثة”، أي ما هو الأساس الذهني لها، واضطررت للعب دور شخص ينتمي لتيار “ما بعد الحداثة”، ويحاول إقناع الناس بذاتية الواقع، وانعدام فكرة الموضوعية من الأساس. لكنّ هذا لا يكفي، أقصد أنه لم يكن ليكفي أن يتبنى قطاع واسع من الناس فكرة كهذه، إذا لم يكن لها فائدة عمليّة لهم.

بالتأكيد كان ثمة فوائد عملية لطلائعيي هذا التيّار، فقد باتوا أسماء خالدة في حقول معرفية كثيرة، وقد لعبوا دور نجوم شعبية في حقل الفلسفة، والإنسانيات، والنقد الأدبي، والفنون. لكن كل هذا ليس مبررا لنشأة تيّار، لابدّ أن يكون ثمّة فائدة تتحقق لأعضاء هذا التيّار، لكي يتابعوا في هذا الطريق أكثر من مجرّد التلاعب الذهني، والتحذلق اللغوي. فما هي الدوافع/ المصالح التي حرّكت هذا التيّار؟ سواء كانت مصالح لأعضاء التيار، أو مصالح للناس من خارجه. أو ما الذي يمكن أن تمنحه هذه العائلة من الأفكار للناس؟

لا أدّعي أنني سأغطّي المبررات العملية جميعها هنا، ولكنّي سأحاول تناول الموضوع من جوانب متباعدة، في سبيل استقراء القيمة العملية لهذه الفكرة:

في العلوم

المنطقة التي سنتناولها في العلم، والتي تُوظّف فيها مفاهيم “ما بعد الحداثة”، هي منطقة مشتبكة مع الفلسفة من الأصل، أي القمّة النامية للعلم، حيث ما يزال الإنسان يتصارع مع المفاهيم الجديدة التي فتقتها العلوم الطبيعية، ويحاول فهمها بصورة لائقة.

لنتذكّر هنا أن فكرة “الجمع بين النقائض” تنتمي لهذا التيّار، ولذلك أرى بعض المهتمين بالعلوم يوظفّون فكرة “قطّة شرودنغر” الحية والميتة في آن معًا، لأنهم يرون فيها مثالا عمليا على الجمع بين النقائض، وليس مهمّا هنا أن قطة شرودنغر المحبوسة في الصندوق، والتي قد تواجه الموت بسبب جهاز “قد” يقتلها، لكننا لا نعرف أنها حية أو ميته إلّا عندما نفتح الصندوق، هي في النهاية إمّا حية أو ميّتة، لكن الذي يريده شرودنغر من قطّته هو تعاملنا معها قبل فتح الصندوق، المهم أنّ فكرة كهذه يمكن توظيفها _ولو كان توظيفا ينمّ عن عدم فهم_ في مناصرة “ما بعد الحداثة”.

ليس بعيدا عن هذا، تجربة تتعلق بميكانيكا الكمّ، وهي تجربة الشق المزدوج، وفيها أنّ سلوك فوتون الضوء يتأثر بمراقبته، فإذا كان ثمة مراقب له، فإنه يسلك سلوك جسيم، وإذا لم يكن ثمة مراقب فإنه يسلك سلوك موجة، ويتناولها المهتمون بالعلوم شعبيّا، وكأنّها دليل على “ذاتيّة الموضوع”، أو أنه ليس ثمة “موضوعية”، فالذات المراقبة هي التي تحدد سلوك فوتون الضوء حسبما يصفون الأمر. وليس مهمّا _بالنسبة لهم_ أنّ هذا الشيء الذي ندرسه هو في الأصل “موضوع”، وأن معضلته متعلقة بالزمن أساسا، فنحن نطلع على سلوكه عندما لا نراقبه، بأثر رجعيّ، أي عندما نرى فعله بعد أن يخترق أحد الشقّين، أو نراقبه فنطلع  على سلوكه عندما يجتاز أحد الشقّين، المهم أنّ فكرة كهذه يمكن توظيفها _ولو كان توظيفا ينمّ عن عدم فهم_ في مناصرة “ما بعد الحداثة”.

في الأدب

فكرة مثل أنه “يوجد عدد لا نهائي من التأويلات الممكنة للنص”، وهي فكرة تنتمي لعائلة “ما بعد الحداثة”، هي فكرة جذابة جدًّا، لاسيّما إذا كنّا نطلب الانعتاق من فهم مسيطر نراه ظالما لأي نص، إن كان نصّا مؤثرا في حياتنا. تفيدنا هذه الفكرة في تفكيك أي خطاب مخالف لنا، ومطالبة القائلين بهذا الفهم أن يكفّوا غلواءهم. فإن كنّا نستطيع فعل هذا بسهولة بترديد هذه الفكرة، فلماذا نكلّف أنفسنا عناء تقديم فهم متسق ممكن، والإضاءة على التناقضات في القراءة التي نراها ظالمة!

كما أن فكرة مثل أنه “دائما يوجد مضطهَد ومضطهِد يجب الثورة عليه” هي استثمار مربح، نستطيع بوساطتها التمرّد على أي قيد أدبيّ عند الكتابة، فلا يجب أن ألبّي شروط الشعر لكي أدّعي أنني شاعر، يكفي أن أسمّي هذه الشروط قيودًا، وأكتب ما أشاء ثمّ أسمّيه شعرًا، مدّعيا أنني تمرّدت على هذه القيود التي تضطهدني. فإن كان بإمكاني فعل هذا، فلماذا أكلّف نفسي عناء تحديد صفات الجنس الأدبي الذي أنتجه، أو التزام صفات الشعر في ما أنتجه!

للاستزادة راجع مقالة:

أرجوك ليس مقالا آخر عن الشعر.

في السياسة

إذا كان بإمكاني كمستفيد من الوضع القائم، أن ألغي التصنيف الطبقيّ، أو التصنيف القوميّ، فأنا سأرتاح من مجابهة غضب الطبقات والقوميّات التي يقع عليها ظلم عظيم. وهل من سبيل إلى هذا أفضل من أن أربك التصنيف باختراع آلاف التصنيفات الأخرى؟ فأجد مدخلا على أذهان نصف الطبقة الفقيرة مثلا بوصفهم نساءً، وأجعلهنّ مناصرات لهذه الفكرة التي تحصر نشاطهنّ في النضال ضد الذكور مثلا، لاسيّما ذكور تلك الطبقة.

كذلك إذا كنت من قومية مضطهدة مستلبة، ووجدت مفكّرا أوروبيّا يجعل ما أعتقده أنا، أو ثقافة قومي، مساوية بالضبط لما يعتقده مضطهدي، أو ثقافة القوم الذين استعمروني، فإنني سأقع تحت إغراء أن أصدّقه، فهو “يناصرني”، وفي الوقت نفسه تمثّل أقوالُه شهادة شاهد من قومهم!

هذه المنظومة من الأفكار مفيدة أيضا على صعيد آخر، فهي تريح المضطهِد أخلاقيّا، إذ كان يقول “حقيقته” الخاصّة، ولم يكن يزوّر أو يدلّس أو ينهب! وكذلك المضطهَد فهو يعيش “ثقافته” أو “حقيقته” الخاصة، ولا داعيَ أن يواجه التحديّات الكبيرة لكي يثبت حضوره، هو في النهاية يملك “حقائق” مساوية لـ”حقائق” مضطهِده.

للاستزادة راجع مقالتي:

بحر الغمام

المرافعة الليبرالية.

في الاقتصاد

الاقتصاد ليس بعيدا عن السياسة، فالأمثلة المتعلقة بالطبقة فعّالة فيما يخصّه. لكن داخل النظام الرأسماليّ نفسه، تصبح فكرة “كل شيء ذاتيّ” مدخلا لجزرة التنمية البشرية، التي تعمل جنبا إلى جنب مع عصا الاستعباد الحديث، لتلقي كتب “مساعدة الذات” اللوم على الفقير، لأنه لم يبق فقيرا إلا لأنه أعاد اختيار فقره، عندما عزف عن الإيمان بطاقاته الكامنة.

للاستزادة راجع مقالتي:

مطاردة المطاردة.

هل الفقير كسول؟

في الأديان

لا داعي لأن نشرح هذه أيضا، فالأديان ستستغلّ فكرة “لا يقينية العلم” أبشع استغلال. والمذاهب المختلفة، التي تتبع نصّا مركزيا واحدا، ستستغلّ فكرة “التأويلات اللانهائية” بصورة أبشع. والمتدينون سيناهضون العلمانية على أساس امتلاك “حقيقتهم” الخاصّة، ودفاعهم عن نفسهم ضدّ اضطهاد العلمانية لهم. وسيكون من حقّ متبعي دين كاليهودية ادّعاء كونهم قوميّة، لأنهم أحرار في تشكيل “حقيقتهم”.

ثمّ إن المتدينين والمحافظين يجدون في “ما بعد الحداثة” خصما مثاليّا، رجلا من القشّ يمكن هزيمته بسهولة، وتحقيق انتصار وهميّ ضدّه.

للاستزادة راجع مقالة:

لغز القرآن.

خاتمة 

أستطيع أن أستطرد، أيّما استطراد، في تعداد الكفاءة العمليّة للأفكار المنتمية لعائلة “ما بعد الحداثة”، ولكنّي أخشى أن يتحوّل هذا التعداد إلى ترويج لهذه الأفكار، وهذا بالتأكيد ليس المقصود هنا. المقصود هو أن نسكتشف سرّ شيوع هذه الأفكار بين الناس، لاسيّما في المجتمعات العالم-ثالثية التي لم تنجز حداثتها الخاصة.

بيت القصيد هنا، هو أن لهذه الأفكار جاذبية لأسباب اجتماعية نفسية، ترتبط ارتباطا وثيقا بسهولة تداولها بين الناس، فكثير من الناس باتوا يجدونها مخرجا سهلا أمام التحدّيات الكبيرة التي تواجههم. ثم إنها ترتبط بعدميّة تجعل عدم الفعل مساويا للفعل. ولأن الناس تميل إلى الراحة، فإن هذه العدميّة المؤسس لها فلسفيا، تصبح لذيذة في أفواه المقموعين.

وسنعود لاحقا إلى التأسيس الفلسفي، الذي ذكرناه في المقالة السابقة، لنستكشف سبب الرائحة النتنة التي تصدرها هذه الطروحات.