“ما بعد الحداثة” #3| سلسلة مقالات ميسّرة

ما وراء “ما بعد الحداثة” 

ناقشنا في المقالين السابقين فكرتين رئيستين حول “ما بعد الحداثة”، الأولى كانت السردية الكبرى التي تقوم عليها ما بعد الحداثة، وهي موت السرديات الكبرى، ولاحظنا التناقض القائم في هذا الطرح، والثانية كانت محاولة تعريف هذه الفكرة العصية على التعريف، واضطررنا حينها إلى التعريف بالحداثة نفسها لننظر في ما يسمّى “ما بعد الحداثة”.

ساقنا تيار الأفكار هذا إلى التساؤل حول مبررات “ما بعد الحداثة”، وقد نقلنا رأيا شائعا عند كثير من المفكرين، يقول بأنها نشأت كردّة فعل على مصائب الحداثة نفسها، أو بالأحرى كردّة عن الحداثة. لكننّا أردنا أن نعرف مبرّراتها لدى التيار المنادي بها، وليس السياق التاريخي الذي يحاول بعض المفكرين تفسيرها من خلاله.

إذن، فقد ينبغي علينا الكتابة هنا في هذا الجزء وكأننا ننتمي إلى هذا التيّار، ونحاول الدفاع عنه، إذا كان ذلك ممكنّا من الأصل، لنبيّن المنظومة الداعمة لهذه العائلة من الأفكار، التي تنضوي تحت راية “ما بعد الحداثة”.

تبدأ القصة من نظرة للغة، سنحاول تبسيطها بصورة نتمنى ألّا تكون مخلّة بفهمها، تقول: إن الرموز اللغوية التي نستخدمها اعتباطية. أي إنه لا يوجد شيء يعطي للكلمة معنى، سوى أن جماعة اللغة التي تنتمي لها هذه الكلمة اصطلحت عليها لترمز لهذا الشيء، أو الفكرة.

بسبب هذه الفكرة بات التساؤل “ما الذي يعطي لكلمة ما معنى؟” تساؤلا مشروعا، فجاء الجواب كالآتي: ثمة شبكة كبيرة من الأفكار والكلمات الأخرى المرتبطة بالكلمة، وموقع الكلمة من الشبكة العملاقة هذه هو ما يعطيها معناها.

حسنٌ، الأمر مفهوم حتى الآن، لكن لنأخذ هذه الفكرة إلى مداها: حسب الأفكار السابقة، فإنّنا نشرح معنى الكلمة من خلال كلمات أخرى معروفة لدينا. الآن، لأن هذه الكلمات بحد ذاتها رموز، فيجب أن نتأكد من أنّها تعني المعنى المراد لها أن تعنيه. لذلك فإنك إن أردت أن تعرف معنى كلمة، فسيكون بحثك في القاموس مجرّد سلسلة لانهائية من البحث عن معاني الكلمات التي صيغ بها معنى كل كلمة في القاموس، وهذا يعني أنّك يجب أن تعرف كل الكلمات لتعرف معنى كلمة واحدة.

هل بدأ الأمر يتعقّد؟ انتظر قليلا، فالأمر سيتعقد أكثر: كل كلمة تمّ استخدامها بطرق مختلفة عبر التاريخ والجغرافيا، ولأن الكلمات في حركة تداولية دائمة، وبالآتي في انزياح دائم، وبعضها أقدم من بعضها، فالبحث عن معنى كلمة في لغة معينة يستلزم البحث في تاريخ هذه الكلمة، وما عنته للناس في الأمكنة والأزمنة المختلفة. ليس هذا فقط، بل وكل كلمة أخرى في الشبكة الخاصة بهذه الكلمة، يعني اللغة ككل. باختصار: لكي تدّعي أنك تعرف كلمة ما، فإن عليك أن تعرف كل الكلمات!

الآن بات الأمر معقّدا بالتأكيد، لكنه يتعقّد أكثر! حسب ما وصفنا في السابق، فإن الكلمة لم تعد رمزا لشيء واقعيّ، بل إنها ترمز لمجموعة من الكلمات الأخرى، أي الرموز الأخرى، وكل رمز من هذه الرموز، يرمز لمجموعة أخرى من الرموز، وهذا يعني: اللغة شبكة من الرموز. وهذه الشبكة غير مرتبطة بالعالم الخارجيّ، وهي دائمة الحركة والتغيّر أيضا.

سيتعقّد الوضع أكثر عندما نتذكر أن اللغة هي الطريقة التي نصف بها العالم، وهي الطريقة التي نتحدث بها مع ذواتنا، ونتواصل بها مع الآخر، وبها نفهم العلم، بل وإن كل مفاهيمنا الذهنية ينطبق عليها ما ينطبق على اللغة، فالرياضيات هي لغة في النهاية، بوصفها شبكة من الرموز التي اصطلحنا عليها أنها تعني معانيَ مختلفة.

الفقرة السابقة تعني أن المعاني التي نقيمها في أذهاننا عن العالم مستحيلة أصلا، أي أنّه لا وجود للحقيقة في أذهاننا، والواقع كله من الممكن أن يكون وهما.

لا تستغرب مثل هذه الجملة، فالأمر يمكن الحديث عنه علميا، لأننا لا يمكننا أن نقيم أي تجربة علمية دون أن نظنّ أننا عزلنا العوامل المؤثرة الأخرى، ونحن لا نعرف كل شيء، ولذلك لا يمكننا التأكّد من عزل كل العوامل الأخرى. أي إن كل فكرة علمية، سواء كانت مجرّبة أو غير مجرّبة، محكومة بمنظورنا الذاتي وأفكارنا المسبقة.

هنا، هذه الأفكار عن اللغة، والعلم بوصفه لغة، وكل عملية ذهنية محكومة لفكرة الرموز، أي العقل الإنساني كله، والإدراك كله، تفقد صلتها بالواقع، ولا يعود الحديث بصورة مطلقة عن إدراكنا للواقع، أو الحقيقة، أو سواها من الأشياء ممكنا.

كل ما نملكه هو التعامل مع الأفكار واللغة بوصفها “فهما” أو “تأويلا”، وقد يكون هذا الفهم شخصيا، أو مجتمعيا، أو سوى ذلك، لكنه مجرّد “فهم” ممكن، أو “تأويل” ممكن، أمام “تأويلات” أخرى ممكنة.

هل تتفاضل هذه “التأويلات”؟ إذا سلّمنا بأن الأمر ذاتيّ، وليس موضوعيّا، وأن شبكة الأفكار الإنسانية كلّها محكومة لـ”تأويلات” ذاتية، وأننا لا يمكننا إدراك الواقع دون تدخّل ذواتنا، فإن تفاضل هذه “التأويلات” متعلّق بتفاضلنا نحن كـ”ـذوات” متبنية لهذه التأويلات. الآن، بما أن الناس كلّهم سواسية، ولا مفاضلة بين ذات أحدهم وذات الآخر، فهذه “التأويلات” و”الأفهام” متساوية تماما. 

كل هذا يعني أنك إذا كنت من ثقافة تعدّ التنجيم شعوذة ودجلا، وتعدّ العلم طريقة صحيحة لفهم العالم، فعليك أن تتقبّل أنّ ابن ثقافة أخرى يرى التنجيم علما، ويرى عمل المؤسسات العلمية شعوذة، أو دجلا رأسماليّا، أو وسيلة للسيطرة على الجماهير.

بما أن الفرد محكوم للغته، واللغة محكومة بتصوّرات وأطر ذهنية مسيّطرة في ثقافته، فلا يمكننا الحديث عن تفكير فرديّ من الأصل، ولهذا علينا فهم العالم كجماعات، ولكن الجماعات بحد ذاتها مفهوم متحرّك، فعليك أن تقبل الجماعة التي تعرّف نفسها كجماعة، حتى لو كان هذا لا يناسب أطرك الثقافية… نتحدث هنا عن جماعات جغرافية، جماعات إثنية، جماعات عرقية، جماعات دينية، ذكور، إناث، جماعات تتحلق حول سلوك جنسيّ محدد، شواذ، متحولي جنس، إناث حوامل، إناث حوامل سوداوات البشرة، إناث حوامل سوداوات البشرة قصيرات القامة… إلى آخره، وليس لذلك آخر.

أمّا ما تسمّيه أنت منطقا، وعلمًا وغير ذلك، فهو في الحقيقة وهمك الخاص، والذي أنت حرّ به، لكن غيرك حرّ بوهمه، ولأننا لا يجوز أن نسمّيه وهما، لأن هذا استعلاء على الآخر، فسنسميه حقيقة، وتصبح الجملة: كل منا حرّ بتشكيل حقيقته الخاصة.

أي إنه: لا توجد حقيقة مطلقة من الأصل. 

أشكرك من كل قلبي على تحمّلك معي حتى هذه النقطة، فأنا كنت أتحدث بطريقة أكرهها، وأراها هراءً محضًا.

لكن هل يكفي وصف ما سبق بالهراء للقفز عنه، أتتذكر السلسلة من أولها؟ أعيدها لك حتى ترى منطقيتها الكاملة:

1- اللغة مكوّنة من رموز.

2- الرموز اعتباطيّة.

3- لكي ندّعي فهمنا الكامل لمعنى رمز ما، يجب أن نعرف معنى كل الرموز في شبكته.

4- نحن محكومون بما نعرفه من الشبكة الرمزية الاعتباطية في كل أفكارنا.

5- كل حقل معرفيّ هو في النهاية مجموعة من الرموز، ولذلك ينطبق عليه ما ينطبق على اللغة.

6- حتى من داخل العلم نفسه فإن العلم يعترف بأننا نقارب التجارب العلمية بافتراضات مسبقة، ولا يمكننا التحقق من افتراضاتنا جميعا.

7- شبكات الرموز المختلفة شيء ذهني متجانس، ولا صلة حقيقية بينها وبين الواقع.

8- الواقع هو ما نظّنه واقعا.

9- بما أنّ كل الأطر الذهنية محكومة للذاتية، فليس من جدوى للحديث عن الموضوعية.

10- تفاضل الأفكار بين بعضها متعلق بتفاضلنا نحن كذوات معتنقة لهذه الأفكار.

11- نحن متساوون بصفتنا ذواتا، وليس لأحد الحق بإلغاء الآخر.

12- كل فرد فينا محكوم بالأطر الذهنية لجماعته، فهو في النهاية عضو في الجماعة التي يختارها.

13- ننظر للعالم كجماعات، كل جماعة حسب طريقتها في تعريف نفسها كجماعة، مهما بدا هذا التعريف شاذّا بالنسبة لنا.

14- تتساوى كل فكرة جماعية مع كل فكرة جماعية أخرى.

15- الأفكار المتناقضة بين الجماعات التاريخية والجغرافية المختلفة متساوية.

16- لكل جماعة حقيقتها الخاصة.

17- لا وجود للحقيقة المطلقة.

هذا هو التسلسل الذي سرنا به، ونحن نتحدّث متقمّصين شخصا ينتمي لتيّار “ما بعد الحداثة”، فأين الخلل في هذا التسلسل؟ سنترك الإجابة عن هذا السؤال جانبا، إلى حين.

وسنكمل في مقالة لاحقة عن فكرة “ما وراء ما بعد الحداثة”، أي إننا نحاول وصف الشيء الذي يجعل فكرة “ما بعد الحداثة” ممكنة.