“ما بعد الحداثة” #2| سلسلة مقالات ميسّرة

“ما بعد الحداثة” نعم، لكن ما هي بالتحديد؟

بعد التعرّف على بعض السرديات الكبرى التي تكمن وراء عائلة الأفكار التي تصنّف تحت “ما بعد الحداثة” في المقالة الأولى، مثل سردية التحرر، وسردية نسبية الحقيقة، أي عدم وجودها بصورتها المطلقة، فإننا يجب أن نجيب على سؤال: ما هي ما بعد الحداثة؟ لكي نستطيع التحدث عنها أكثر.

إذا بدأنا من التسمية، فإن التعبير “ما بعد الحداثة” بحدّ ذاته منقسم إلى شطرين: “ما بعد”، أي ما يتجاوز، ما يتعدّى، ما يفارق إلى الأمام. و”الحداثة” أي الأطر الذهنية التي سادت في الحقب التالية لحقبة الثورة الصناعية في أوروبا، وهذه تحتاج إلى شرح طويل. لكن الفكرة هنا أن “ما بعد الحداثة” هي ما يتجاوز الحداثة، أي يتمرّد عليها، ويبتعد عنها.

حسنٌ، إذا كان لنا أن نعيد السؤال “ما هي الحداثة إذًا؟”، لنحصل على إجابة أوضح، فعلى الجواب أن يكون تحديديا أكثر من كونه وصفيا، فلا يكتفي بذكر الإطار الزماني والمكاني الذي انتشرت فيه هذه الأطر الذهنية، بل عليه أن يفصّل في ماهيّتها، ولذلك فإننا سنُعنى هنا بمنطلقات الحداثة، أي الافتراضات التي تأسست عليها الثورة الصناعية وما تلاها من ثورة تكنولوجية وثورة معرفية.

هذه المنطلقات قد يكون كثير منها أقدم من الثورة الصناعية نفسها، ولكن الذي يعنينا فيها هنا أنها كانت منطلقات للحداثة، بغض النظر عن منشئها.

بعض أهمّ منطلقات الحداثة:

1- ثمة حقيقة موضوعية طبيعية مستقلة عن وعينا نحن البشر. أي أنها موجودة سواء أدركناها أم لم ندركها.

يمكن تبسيط هذه النقطة بفكرة أننا نقيس ما لا تعرف على ما نعرف، فالثمار التي لم يرها إنسان، إذا انفكّت عن شجرتها ستسقط إلى الأرض بسبب الجاذبية. ولا أدري إن كنّا نحتاج ثورة صناعية أو تقنية لنصدّق بهذه الفكرة البسيطة!

2- وعينا بهذه الحقيقة الموضوعية الطبيعية المستقلة عن وعينا، ووصفنا لها، يمكن التحقق منهما، ويمكن إصدار حكم بكون أي منهما صائبا أو مخطئا.

بالفعل هذه النقطة مختلفة عن النقطة السابقة، فالإقرار بوجود حقيقة خارج أذهاننا لا يلزم عنه اعتقادنا بإمكانية الوعي بها، أو وصفها، بطريقة صائبة.

3- الاعتقاد بأن الأدوات العلمية، مبتدئة بالمنطق وغير منتهية بالتقنية والعلوم المحضة، ستجعل المجتمعات أقرب لليوتوبيا بنسبة ما، أي أننا نستطيع باستخدامها أن نكون في حال “أفضل”.

4- العقلانية والمنطق يعملان بصورة كونية، أي أنه يمكن تطبيق قوانين التفكير المنطقي على الجميع وفي أي مكان، وفي أي حقل معرفي. وهنا يجب أن نوضح أننا لا نقصد المنطق الصوري، بل ما يفهم اليوم من كلمة “منطق”.

5- ثمة شيء نسميه “طبيعة بشرية” تولد مع الإنسان، حتى ولو لم يكن يعلم شيئا عندما يولد، لكن ثمة ميول ونزوعات ونفورات فطرية، وهذه الطبيعة البشرية يمكن دراستها والتعرف عليها. من أراد أن يعرف أكثر عما نعنيه بالطبيعة البشرية يمكنه قراءة مقال: الأصول الجينية للأديان.

6- اللغة بمختلف أنواعها هي أداتنا لوصف الطبيعة، وهي مرآة الوعي الإنساني التي تعكس تصور الإنسان عن الكون الطبيعي الواقع خارجه.

7- معرفة الإنسان بوجود الحقيقة الطبيعية _مجرد وجود حقيقة وليس ماهيتها_ تحصل بصورة إدراك حدسي أو فطري أو بعد التحقق منه.

8- يمكن إصدار تعميمات والتوصل إلى نظريات عامّة تصف الطبيعة والإنسان والمجتمع، وهذه النظريات العامة هي مسعى يحاول العلماء والمفكرون التوجه له، حتى وإن كان وصولها بصورتها المثالية متعذّرا.

من فهم منطلقات الحداثة المذكورة هنا فهو يفهم ما تعنيه الحداثة، ويفهم دورها في بناء واقعنا الحاليّ، وأنها حجر زاوية في التطوّر العلمي والتقني والمعرفي للبشرية جمعاء، وإن كانت ظهرت بداية في أوروبا الاستعمارية.

أمّا “ما بعد الحداثة” فهي “تجاوز” كل ذلك، والإعراض عنه، ويكفيك أنّك ترى أن كلّ هذه النقاط ترجع في الأصل لسردية كبرى تقول: إن الحقيقة تقع خارج وعينا ونحن نستخدم أدواتنا لنعيَها. وأنّ هذه السردية الكبرى عند الـ”ما بعد حداثيين” مرفوضة، بل وهي “مضطهِد” يجب مواجهته والثورة عليه!

هل التجاوز هذا تجاوز للأمام؟ أي هل يشبه مثلا الطريقة التي تجاوزت النظرية النسبية لآينشتاين قوانين نيوتن؟ بمعنى أننا كنّا على مقربة من المؤدّى الذي نريده، ومشينا أكثر باتّجاهه فتجاوزنا موقعنا الأول.

لو قبلنا تشبيه المعرفة البشرية بالطريق إلى مؤدّى ما، هو الحقيقة، فـ”ما بعد الحداثة” ليست تجاوزا للحداثة أبدًا، لأن الـ”ما بعد حداثي” لا يرى نفسه على الطريق أصلا، ولا يعتقد بوجودها من الأساس، فهو لم يكمل أكثر في الطريق، ولم يتوقف، ولم يرجع كما يفعل كثير من المتدينين، بل قرر أن يتناول مادّة مخدّرة تعفيه من رؤية أي شيء والتصديق بأي شيء، سوى ما يريده هو كذات، بعيدا عن أي موضوعية. هو أصلا لا يعتقد بوجود “الموضوع” والموضوعية من الأصل، الموضوع عنده جزء من الذات، واللغة لا تصف الكون خارج الوعي… إلخ.

لكن ما هو المبرر لهذا من الأصل؟ لماذا قرر بعض الأوروبيين والغربيين الوقوف في منتصف الطريق والاكتفاء بهذه الألعاب الذهنية؟ لاسيّما وأوروبا كانت في مقدّمة الركب الإنساني الساعي لمعرفة الحقيقة الطبيعية.

المبررات التي تقدّم كثيرة، منها الفلسفيّ، ومنها الاجتماعيّ، وللمفاجأة منها العلميّ أيضًا، وسنأتي فيما بعد لفحص مدى وجاهتها، لكن المبرر الذي ننتقيه هنا، وهو آت من تتبع التاريخ، هو أن التطور الذي قادته أوروبا علميا وتقنيا أدّى إلى موت ملايين الناس في الحروب المتعاقبة التي يلقي الـ”ما بعد حداثيون” اللائمة فيها على الحداثة نفسها.

التنافس على درب المعرفة والعلم والتقنية بين الأمم، احتوى على حروب وعراك فيما بينهم، وهذا التنافس أدّى لمآسٍ عظيمة، وملايين القتلى، ولذلك اختار “ما بعد الحداثي” التخلّي عن الدرب كلها.

هذه بالطبع رواية أحد الأسباب التي يشير لها بعض المفكرين، أمّا لو سألت أتباع تيار “ما بعد الحداثة” عن مبرراتهم، فسيروون لك مبررات أخرى مختلفة تماما. وهذا ما سنأتي عليه لاحقا.