“ما بعد الحداثة” #1| سلسلة مقالات ميسّرة

عن السرديّة الكبرى لموت السرديّات الكبرى

يمكن النظر إلى السّرد بوصفه تقنية تواصل، يُمَكّننا من أن نتغلّب على اللحظة بوساطة الترتيب وتوضيح العلاقات بين الأشياء والأحداث، لكنّنا إذا نظرنا إليه من جهة أخرى فهو طريقة تفكير أيضا، فما يقع في بؤرة وعينا لحظيّا، وهو شيء واحد في كل مرّة، حتى لو كان كُلًّا مكوّنا من أجزاء، نرى أنه يمكن فهمه بصورة أعمق إن نظرنا في سياقه، وما دام السياق هو علاقته بما حوله من أشياء وأحداث وأفكار، فنحن بحاجة للسرد لكي نفكّر به بصورة أمثل.

هذا يعني أن فهمنا أو شرحنا لشيء أو فكرة أو حدث محتاجٌ، بصورة أو بأخرى، للسّرد. أي أننا نعي الكون من حولنا باستخدام سرديّة ما، والسرديّة هي السياق الذي يضمن لنا أننا نتحدّث عن الشيء نفسه، تماما كما نفهم كلمة بصورة أعمق عندما نضعها في جملة، وهذا واضح فيما يتعلق بالمفاهيم والأفكار والإدراك.

القصص أو الحكايات، وهي سرديّات بالتأكيد، يكمن وراء كل منها مجموعة من المفاهيم، يمكن أن نراها بوصفها مقولة هذه القصة أو الحكاية، وهي شيء يشبه العبرة التي كنا نستخلصها صغارا من النصوص، غير أنها لا تكون بالبساطة نفسها في السرديّات الموجّهة للأطفال.

بافتراض أن وراء كل سرديّة سرديّة أكبر منها، أي إن وراء كل قصة ثمة مقولة أو مقولات تحاول القصّة نقلها لنا، وبحساب طرائق التفكير نفسها على أنها سرديّات، فإنه من الممكن تحديد السرديّات الكبرى التي هيمنت على الوعي الإنساني في إطار زمانيّ مكانيّ ما.

الفكرة هنا أنه بإمكاننا اختزال كل سرديّة إلى مقولة، وهذه المقولة تعدّ السردية الكبرى وراء القصة، فإذا طبّقنا هذا على كل القصص معًا، فإن سرديّة كبرى ستتجلّى لنا. وهذا إن سحبناه على طرائق التفكير فإنه فكريّا ثمة سرديّة كبرى هي الافتراض الأعمق الكامن في وعي مجتمع ما.

السرديّة الكبرى التي تهيمن على طرائق التفكير في مجتمع محدد، في العادة، تطرد الأفكار التي لا تنسجم معها، ولذلك فإننا نلمس عبثية إقناع فرد يتبنّى سرديّة كبرى بشيء لا ينسجم مع هذا المفهوم المحوريّ لديه. إذا كنت حاولت أن تقنع إنسانا يتبنى فكرة أن الأرض مسطحة بغزو الفضاء، فأنت بالتأكيد تفهم هيمنة السردية الكبرى على الأذهان.

الذهن يعمل بطريقة شملانية “هوليستك”، ولذلك فهو يهتمّ باتساق الفكرة جديدة مع منظومة الأفكار الموجودة مسبقا عنده، ربما أكثر مما يهتمّ بفاعلية هذه الفكرة عند التطبيق، أو بدرجة مطابقتها للواقع. وهذا مقبول إلى حدّ ما، على الأقل بصفته واقعا في أغلب الأحيان.

فإذا كان الأمر كما تمّ شرحه، فإننا بحاجة إلى ميكانيكية عقلية ما، تكون مهمتها نقد السرديات الكبرى، هذا إذا افترضنا أنه ثمة حقائق موضوعية تقع خارج الذهن الإنسانيّ، ونحن نحاول الوصول إليها.

فرض وجود الحقيقة خارج الذهن هو أحد الفروض المؤسسة للحداثة الغربية، ولقطاع عريض من المنظومات الفكرية غيرها، وهو يعدّ بذاته سرديّة كبرى أيضا.

ظهر عدد من الفلاسفة في الغرب في أواخر القرن العشرين، وسيطروا على المشهد الإعلامي الأكاديمي، أي تلك النافذة التي تطل منها العامة على الفلسفة والعلوم، وكانوا ينادون بموت فكرة السرديات الكبرى، وبأننا يجب أن نشكّ في كل سردية كبرى مهما تكن.

هؤلاء الفلاسفة أمثال ميشيل فوكو وجاك دريدا، كانوا يتمرّدون بالدرجة الأولى على السردية الكبرى للحداثة الغربية، وقد عزا بعض خصومهم طرحهم هذا إلى عدم رضاهم النفسي عن نتائج الحداثة، وعند استعراض تاريخهم الشخصي فإن طرح خصومهم يبدو وجيها، لكن هذه شخصنة، وهي بعيدة عن موضوعنا.

في الحقيقة لم تغب السرديات الكبرى عن المنادين بموت السرديات، فكلّ فرد عاقل عنده مفاهيم مؤسسة لطرحه، وقد غلبت “سردية التحرر” على هذه الطروح، وأعني بسردية التحرر: إنه دائما ثمة مضطهَد في مواجهة مضطهِد. وقد جاءت هذه السردية بنظرة جديدة إلى السرديات الكبرى على أنها مضطهِدة يجب مواجهتُها بالهدم.

انبثق عن هذا طيف واسع من الأفكار التي تنتمي لفكرة “ما بعد الحداثة”، كلّها يعيد تعريف الموضوعات المختلفة ضمن سردية التحرر، فصار العلم مضطهِدا أو أداة اضطهاد، وكذلك اللغة، والنظريات التاريخية… إلخ.

وبجانب كون سردية التحرر هذه أصلا سردية كبرى، تطالب الانعتاق من السرديات، ما يمثّل تناقضا جذريّا فيها، فإن هذه العائلة من الأفكار تحوي فكرة بارزة خطيرة أخرى، وهي “نسبية الحقيقة”.

السردية الكبرى لـ”ـنسبية الحقيقة” لا تفترض أننا نصل إلى الحقيقة بنسب مختلفة، بل ترى الحقيقة في الأصل شيئا متعلّقا بالناظر، أي أنها وهم ذهني ذاتيّ، وليست حقيقة موضوعية خارج الذهن، وهذا ما يجعل كل دعوى مساوية لكل دعوى أخرى.

تفاعلات هذه العائلة من الأفكار مع الواقع، والأوساط العلمية والأكاديمية والسياسية وغيرها، أنتجت هيمنة حقيقية لهذه “السردية الكبرى” الجديدة، ويمكن الجدال بكونها باتت مضطهِدًا بحد ذاتها، فيجب على من يعتقد بها أن يحاربها! هل ثمة تناقض أكبر من هذا!

ومع كل ما سبق، فإن هذه العائلة من الأفكار لم تنتشر إلا لأسباب موضوعية، تتعلّق بسهولة تداولها، وكونها مخرجا سهلا للحداثة الغربية من خطيئاتها المتعددة، وكونها إلى جانب ذلك كله تمثّل مخرجا “كريمًا” للمنظومات الأخرى التي اعتدت عليها الحداثة الغربية، وإنّي أزعم أن السبب الأكبر، بين قائمة الأسباب الموضوعية الكثيرة، هو حاجتنا الماسّة لميكانيكية عقلية ننقد بها السرديات الكبرى.

ولذلك فإن على من يرون العوار في عائلة الأفكار هذه أن ينتجوا ميكانيكية ذهنية لنقد السرديات الكبرى بما فيها هذه السردية، وأن يكون طرحهم قابلا للتداول، ويحقق كل ما تحققه هذه السردية من كفاءة جدالية وتداولية. ولعلّ من أهمّ أعمدة هذه الميكانيكية هو النظر في تناقضات السرديات الكبرى المتراكبة، ولكن هذا موضوع طويل وشائك، سأحاول التطرق له خلال هذه السلسلة من المقالات.