عفريّات في “حفريّات”!

“حفريات: صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية. تصدر عن مركز دال للأبحاث والإنتاج الإعلامي.”

هكذا يعرف موقع حفريات نفسه، وهو موقع آخر يستقطب بعض “الكتّاب الشباب” من الوطن العربي، بجانب “العربي الجديد”، و”مدونات الجزيرة”، وغيرهما… وكلّ ما وقعت عيناي عليه من مثل هذه المواقع يشترك بكونه يتلقى تمويلا من إحدى دول الخليج، فهو ذراع إعلامية لبرنامج سياسي ما.

لا أريد الغوص في البرنامج السياسي لموقع حفريات، ومن أي دولة يتلقى التمويل، وما إلى ذلك من أسئلة، ولكنني أريد وضع مادّة واحدة من مواد الموقع على منضدة التشريح، وهي مادة بعنوان: غسيل الأموال والمخدرات مصادر تمويل حزب الله في فنزويلا. تستطيع الضغط على عنوانها لتقرأها على الموقع دون المقاطعات النقدية التي ستواجهها هنا.

يتناسب الوقت الذي نقضيه بتشريح جثة لكائن ما مع تعقيد جسم هذا الكائن، ونحن في الحقيقة أمام كائن بسيط للغاية، فهذا المقال يمكن تفكيكه بكلمتين، لكنني أريد تفكيك العقلية الكامنة وراءه، فكيف لرئاسة التحرير أن تسمح بنشر مادة كهذه لولا أنها مصابة بالأدواء نفسها التي تعاني منها هذه المادّة!

المادّة بذاتها هي مادّة قديمة في الموقع، فقد كانت من أوليات الموادّ المنشورة فيه، وبقيت دون تعديل أو حذف رغم أنّه من الطبيعي أن نتوقع أن إدارة الموقع تلقّت ردود فعل تضيء على العيوب التي سنوضّحها تباعا هنا. ولأن المادّة بقيت حتى تاريخ كتابة هذا النقد فمن الطبيعيّ أيضا أن نجعلها نافذة نطلّ منها على “فلسفة” الموقع، إن صحّت تسمية ماوراء هذا الموقع باسم “فلسفة”.

سأورد الاقتباسات باللون الأحمر، ثمّ أعلق عليها بنص عادي غامق:

العنوان:

غسيل الأموال والمخدرات مصادر تمويل حزب الله في فنزويلا

من منظور لغوي نقول: الصحيح أن تكون الجملة “غسيل الأموال والمخدرات مصدرا تمويل حزب الله في فنزويلا” فغسيل الأموال والمخدرات مثنى وليس جمعا، حتى نصفهما بكونهما “مصادر”.

من منظور منطقي: عنوان المادّة يوحي أنّه ثمة تساؤل لدى الجماهير عن مصادر تمويل حزب الله في فنزويلا، ولم أجد عند الناس هذا التساؤل مطروحا من الأساس، فليس ثمة علاقات مؤسس لها في وعي القارئ العربي بين النظام الفنزويلي الذي يوصف بأنه يساري، وبين حزب الله الإسلامي.

العزو:

ترجمة: علي نوار 

هل نحن أمام مادّة مترجمة إذًا؟ من الذي كتب هذه المادّة التي ترجمها “علي نوار”، وعن أي لغة ترجمها المترجم؟ وكيف يرد فيها ما سنراه عمّا قليل وهي مترجمة؟ كل هذه أسئلة يصلح أن تكون استنكارية واستهزائية، ولكنني أفضّل أن أبقيها استفهامية بحثا عن جواب.

الفقرة الأولى:

إنه مثلث بدأ نشاطه في 2008 تقريباً. تتكون أضلاعه من الإرهاب وتجارة المخدرات والملفات الإقليمية. تم الاتفاق على ذلك بين كل من الرئيس الفنزويلي الراحل هوجو شافيز وجماعة القوات المسلحة الثورية في كولومبيا (فارك) ومنظمة حزب الله. حصل هذا الاتفاق، وفق ما أوردت تقارير نشرتها وسائل إعلام إسبانية، على الضوء الأخضر النهائي في ذلك العام عندما عزز النظامان الحاكمان في فنزويلا وإيران علاقاتهما بقوة. تحت قيادة الزعيم البوليفاري الراحل والرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد. ثم سار رئيس فنزويلا الحالي نيكولاس مادورو على نهج سلفه.

الجملة الأولى مصادرة على المطلوب، فهي تقرر أمرا بحاجة إلى إثبات طويل، لكنها تقوله كحقيقة واقعة. المشكلة الثانية فيه هي حشر تعبير “الملفات الإقليمية” فيه، مع أنّ أي علاقة بين أي كيان شرق أوسطي وآخر أمريكي جنوبي لابدّ أن تكون ضمن تصنيف “الملفات العالمية”، فالمشترك بين هذا وهذا هو أمر دولي عالمي بالضرورة، فهو إما أن يكون متعلقا بالنفط، أو متعلقا بمناهضة الغطرسة الأمريكية، أو متعلقا بمناهضة الكيان الصهيوني وكلّها ملفات عالمية، إذ إن الكيانين لا يجمعهما إقليم في الأصل.

العلّة الثالثة، وهي قاتلة في الحقيقة، هي محاولة إضفاء شرعية أو مصداقية على هذا الحديث المرسل، بعزوه إلى “ما أوردته تقارير نشرتها وسائل إعلام إسبانية”، ولننتبه هنا إلى التصنيف: هي تقارير إذًا وليست مقالات رأي. وتقارير تعني تتبع مصادر معرفية أولية وثانوية نحو نقل المعرفة إلى جمهور القراء. ومع أني لم أجد هذه الادّعاءات لا في تقارير إسبانية ولا في مقالات، إلّا أنني أستغرب عدم ذكر اسم وسائل الإعلام هذه.

العلّة الرابعة، هي الدور المنطقي الماثل في كون المادّة مترجمة كما علمنا من الترويسة، ولكنها تتكئ على موادَّ أخرى منشورةٍ باللغة نفسها، فلن يقول كاتب اسبانيّ أو متحدّث بالاسبانية عن وسائل الإعلام التي يستشهد بها إنها “وسائل إعلام إسبانية”. من المتوقع من الناطق باللغة نفسها أن يصنّف هذه الوسائل بطريقة أخرى غير نسبتها للغة أو البلد التي ينتمي إليها. ومن المتوقّع من أي كاتب يحظى بأدنى شروط الحصافة الأدبية والمعرفية أن يعزو كلامه إلى مصدره، وإلا سيكون قد مارس السطو الأدبي، إلّا إذا كانت هذه المصادر متخيّلة.

الفقرة الثانية:

تصنف (فارك)، أقدم الجماعات المتمردة في أمريكا اللاتينية، من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة كجماعة إرهابية بنشاط حثيث في تجارة المخدرات بالمنطقة. يبدأ انتشارها من المكسيك حتى الجنوب في الأرجنتين. وفرت العلاقات التي أقامتها على مدار العقود الأخيرة أقوى الصلات بزعماء أكثر عصابات المخدرات دموية، تبرز سينالوا من بينها. لا تتوقف هذه الروابط، رغم تأكيد (فارك) منذ عامين أنها تدفع حواراً للسلام مع الحكومة الدستورية في كولومبيا.

هذا الوصف لمنظمة فارك يختصرها في نقطة زمنية واحدة مع أن وجودها يمتدّ على خط زمنيّ طويل، ويجعل الاتحادّ الأوروبيّ وأمريكا مرجعا لنا، مع أنّهما يصنفان كثيرا من الجماعات والأحداث التي نراها نحن العرب ضمن المقاومة كجماعات إرهابية وأحداث إرهابية، لكن أكثر شيء مضحك هو وصف فارك بأنها أقدم الجماعات المتمردة وهي أنشئت في 1964، بينما يمتدّ تاريخ “التمرّد” الأمريكي الجنوبي إلى أقدم من ذلك بكثير.

تسمية أمريكا الجنوبية بأمريكا اللاتينية هي تسمية استعمارية شمالية بامتياز، ولا مشاحة في الاصطلاح، لاسيّما أننا لا نتوقع من موقع كهذا أن يحرّر مصطلحاته من الهيمنة الشمال أطلسية.

تلجأ فارك بالفعل إلى أعمال “غير شرعية” بالنسبة للحكومة اليمينية في كولومبيا، لكن المنظمة كلها توصف من قبل هذه الحكومة بأنها “غير شرعية”. بينما الحدث الذي مثّل إدانة لممارسات هذه المنظمة هو إدانة اليساريين لها، وإعلان الحزب الشيوعي الكولومبي انفصاله عنها بسبب هذه الممارسات. حتى إن محاولات فنزويلا وكوبا لتطبيع العلاقات بين الحكومات ومنظمة فارك اتكأت على أن السبيل الحقيقي لجعل المنظمة توقف نشاطاتها “غير الشرعية” (هنا يأتي هذا التعبير حسب وصف اليساريين أنفسهم) هو ترخيصها والاعتراف بها كحزب سياسيّ في كولومبيا.

أما وصف الحكومة الكولومبية بـ”ـالحكومة الدستورية” فهو قصة أخرى لن نتوقف عندها، بسبب بعد غور البحث في هذه التسمية، لكن يكفي أن نتذكر الخلافات حول ما هو الدستوري؟ في مصر مثلا، وأي حكومة هي الشرعية، هل هي حكومة مبارك أم مرسي أم السيسي؟ لنعرف أن هذا الوصف يجب ألا يمرّ بسهولة.

تعبير “العقود الأخيرة” يعني على الأقل 30 سنة كاملة، مع أن تصنيف فارك كمنظمة إرهابية من قبل الأطلسيين الشماليين لم يحدث إلا في عام 2005.

أما كون هذه الروابط لم تتوقف أو توقفت فهو كلام يحتاج إلى كثير من الفحص، لكن المادّة اكتفت بالإشارة له وكأنه واقع، وهي مصادرة أخرى على المطلوب.

وصف مناطق انتشار هذه المنظمة وصف غائم، فالقارئ الذي سيعتمد على موقع حفريات سيظن أنها منظمة تسيطر على أجزاء من كل دول أمريكا الجنوبية، وسنترك لقارئ هذا المقال أن يتحقق بنفسه من مصداقية هذا الوصف.

الفقرة الثالثة:

ومن ضمن الأنشطة يأتي غسيل الأموال الواردة من تجارة المخدرات والاختطاف بغرض الابتزاز. وكانت تجارة المخدرات أهم مصدر دخل وتمويل بالنسبة لحزب الله وأنشطته الإرهابية سواء في الشرق الأوسط أو أوروبا. لكن كيف يمكن الدخول لهذه العملية البعيدة؟ جاءت الإجابة عن طريق الرجل الذي اقتحم في 1990 الخريطة الإقليمية اللاتينية: شافيز. كان العقيد الراحل هو من وصل العلاقات التي كانت مقطوعة.

في هذه الفقرة تقام العلاقة المفترضة التي يشير لها العنوان، فما هي هذه العلاقة؟ منظمة فارك توفّر تمويلها من المخدرات، وحزب الله يوفّر تمويله من المخدرات، هذه هي العلاقة. وهذا مثل أن أقول إن بيني وبين الفنانة فلانة علاقة لأنها ترتدي البناطيل وأنا أرتدي البناطيل! ثم ينتبه “المترجم” إلى هذه العلاقة الخنفشارية، فيتساءل “كيف يمكن الدخول لهذه العملية البعيدة؟” دعونا من الصياغة الركيكة هنا، ولننظر الجواب: “تشافيز وصل العلاقات التي كانت مقطوعة”. ومقطوعة هنا معناها أنها كانت ثم قطعت ثم عادت، وسنترك للقارئ تخيّل خط زمن نشأة حزب الله، وخط زمن صعود تشافيز في فنزويلا، وخط زمن أطول بكثير لتاريخ منظمة فارك، ونتحدّاه أن يرى أي منطقية في اختيار هذه الكلمة.

الفقرة الرابعة:

بدأ شافيز معتمداً على الإمكانات اللوجيستية والحدود المفتوحة بشكل “مثالي”، في تقوية الأواصر مع (فارك) لتوسيع “السوق” الجاذب. كانت طائرات محملة بالكوكايين تطير عابرة المحيط الأطلسي باتجاه غرب أفريقيا- حيث الرقابة أكثر تساهلاً مثلما هو الحال في كاراكاس- كي تذهب في النهاية إلى أوروبا؛ حيث يتكفل عناصر حزب الله بترويجها. كانت العائدات توزع بالتساوي بين الأطراف، في عملية متكاملة ومؤّمنة.

كلمات كبيرة مثل “الحدود المفتوحة” و”الإمكانات اللوجستية” و “السوق الجاذب” و “الأواصر” كلها تجعل هذه الجملة تبدو معقدة، لكننا لو أردنا تبسيطها تصبح: “تشافيز وسّع التعاون بينه وبين منظمة فارك ليوسّع سوق المخدّرات.” أما ما هي مصلحة تشافيز من هذا فالله أعلم! على الأقل، الجواب الذي يقدمه الكاتب بأنه فعل كذا لتوسيع “السوق الجاذب” لا يحمل أدنى شروط الجملة المفيدة.

ينتقل الكاتب إلى الحديث عن وقائع “كانت طائرات محملة بالكوكايين تطير…” إلى “كانت العائدات توزّع بالتساوي” وهكذا نعلم أن تشافيز فعل ذلك من أجل المال! هل يعرف “المترجم” أي شيء عن تشافيز؟ ثم إن معلومات خطيرة كهذه كيف تصل إلى صحفيّ في موقع حفريات ولا تصل الحكومات لتتصدّى لها، كونه يعرف خطوط حركة المخدرات وحيثيات تقسيم العوائد. أليست هذه التصريحات بائسة على نحو ممتع!

الفقرة الخامسة:

ولضمان استمرار هذه الآلية في تدفق المخدرات والأموال، اعتمد النظام البوليفاري على ثلاثة رجال من أهل الثقة بالنسبة لشافيز ثم مادورو لاحقا: هوجو كارباخال وهنري رانخل سيلفا ورامون رودريجيزتشاثين. كان الأول يشغل منصب رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الفنزويلية، وألقي القبض عليه في أرووبا يوم 24 يوليو(تموز) 2014. وجهت إليه عدة تهم ذات صلة بتهريب المخدرات. ورغم طلب الولايات المتحدة تسليمه إليها، لم يتم ترحيله لهناك كي تتم محاكمته. أعاقت هولندا هذه العملية وحظي كارباخال باستقبال الأبطال لدى عودته إلى كاراكاس، وكان مادورو ممن تنفسوا الصعداء.

تفاصيل أكثر يجود بها علينا صاحب المادّة، أسماء لأشخاص وتفاصيل عن أول هذه الأسماء، وهو كارباخال، لكن التفاصيل الواردة عنه لا تشير إلى شيء مما ادّعاه “المترجم” فيما سبق، مجرّد اتهامات أوروبية وأمريكية لرجل من رجال تشافيز، وهي أمر طبيعي بما أن تشافيز أصلا على تضاد مع الأطلنطيين، رغم ذلك فهو عاد إلى فنزويلا، لكن الكاتب يجود علينا بتفصيلة لا يمكن لأحد معرفتها سواه، وهي كيف تفاعل الجهاز التنفسي للرئيس الفنزويلي ماذورو مع عودته!

يا سلام!

الفقرة السادسة:

كان رانخل سيلفا كذلك ممن شعروا بالارتياح بعد عودة كارباخال إلى فنزويلا. حاكم ولاية تروخيو، كان لهذا العسكري المقرب من شافيز علاقات أيضاً بأجهزة الاستخبارات في بلاده. وكان حلقة وصل في الاتصالات مع إرهابيي (فارك). صنفه تحقيق لجريدة (نيويورك تايمز) الأمريكية بأنه كان المسؤول عن تسهيل وصول السلاح للمتمردين الكولومبيين على الأراضي الفنزويلية. وتزويدهم بالأوراق المهمة مثل هويات زائفة لتجنب العدالة في البلدين. 

نعود إلى وصف المشاعر ذات العلاقة الوطيدة مع الأجهزة التنفسية، رانخل هو موضوع هذه الفقرة، وهو الرجل الثاني في الأسماء التي عدّدها “المترجم”، وتفاصيل عن علاقته بمنظمة فارك، وحتى لو سلّمنا بكل ما ورد هنا، فلابدّ للمترجم أن يضع لنا رابطا لتحقيق جريدة نيويورك تايمز، لأن هذا من أبجديات العمل الصحفي، حتى في نسخته المدرسية! وحتى لو وجدنا هذا الرابط من خلال البحث، فنحن أمام حقيقة أن أمريكا تعادي تشافيز، فمن الطبيعي أن يكتب صحفيوها ضدّ رجال دولته، ودعنا من هذا كله… ما علاقة هذا الكلام بحزب الله؟ سنقرأ أكثر لعلنا نجد الرابط العجيب.

الفقرة السابعة:

أما رودريجيزتشاثين، فهو عسكري آخر شارك مع شافيز في انقلاب عام 1992، وهو عنصر مهم في شبكة تجارة المخدرات والإرهاب. وبعد مسيرة عملية كربان بحري، تولى هذا “الفيلسوف” كما يطلق عليه، منصب حاكم ولاية جواريكو.

الاسم الثالث بتفاصيل أقل عنه، ومصادرات على المطلوب بشأن الاتهامات التي يكيلها موقع حفريات له، واستهزاء بكونه أحد المنظرين لثورة تشافيز، ولم تظهر أي علاقة بينه وبين حزب الله!

الفقرة الثامنة:

ورغم الاختلافات بين الشخصيات الثلاث، إلا أنّ هناك أموراً مشتركة بينهم. فيشار إليهم باعتبارهم المسؤولين عن التستر على حرية حركة أفراد (فارك) داخل فنزويلا بالمخدرات والأسلحة. اتهم كارباخالورانخل سيلفا بتوفير الدعم اللوجيستي اللازم للحركة كي تتمكن من التهريب. بينما كان رودريجيزتشاثين من جانبه “الصلة” للحصول على السلاح بغية زعزعة استقرار الحكومة الديمقراطية في كولومبيا.

لا أدري ما معنى فاء العطف في كلمة “فيشار”، ويفترض من “مترجم” و”محرر” أن ينتبها لمثل هذه التفاصيل اللغوية.

يقول “المترجم” : ورغم الاختلافات. ولم نعرف عن أي اختلافات يتحدّث، هل يجب أن يكونوا متشابهين ليتعاونوا؟ ثم إن التشابه بين الشخصيات التي عدّدها الكاتب هائل، كلّهم من رجالات تشافيز، وكلّهم يسهلون عمل تجار المخدرات من منظمة فارك، حسب زعم “المترجم”، فعن أي اختلافات يتحدث؟ لكنه في هذه الفقرة يجمّع ما قاله آنفا، فيقول إن فلانا مسؤول عن كذا، وفلانا مسؤول عن كذا، وكأنه يتحدّث من غرفة نوم أحدهم! ألم يقرأ أي رواية لها علاقة بالجريمة؟ ألا يعرف أن كثيرا من هذه التفاصيل لا يتطلع عليها أعضاء العصابات أنفسهم! ألا يوجد عنده أي نوع من الخيال الأدبي لتكوين صورة أكثر قابلية للتصديق حول ادّعاءاته؟ هذا على افتراض أن تقديم صورة متسقة، وجيّدة السبك، أمران كافيان لتصديقها، دون وجود أي دليل على مايقول.

الفقرة التاسعة:

بالمثل، دخلت شركة النفط الحكومية الفنزويلية على الخط في الشبكة التي سهلت الصفقات الضخمة بين فنزويلا و(فارك) وحزب الله.

سبحان الله علّام الغيوب. لا تعليق! نكمل…

الفقرة العاشرة:

يعرف (إف بي آي) بأمر العلاقات بين حزب الله وحزب شافيز وجماعة (فارك) جيداً، وأصبح غازي نصر الدين أحد أكثر الأشخاص المطلوبين على وجه الأرض. وغازي نصر الدين لبناني يحمل الجنسية الفنزويلية، ودخل قائمة مكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكية مؤخراً. كما أنه مقرب من طارق العيسمي حاكم ولاية أراجوا. ولد نصر الدين ببيروت في 13 ديسمبر(كانون الأول) 1962. وهو مكلف بجمع الأموال في مراكز إسلامية شيعية حول أمريكا اللاتينية وإيصالها إلى خزائن حزب الله.

هل حفر موقع حفريات تحت مبنى مكتب التحقيقات الفيدرالي فعلم ما يعلم وما لا يعلم؟ وما علاقة ما يعلمه مكتب الإف بي آي بالجملة التي تليها؟ لو ورد هذا التتابع في رواية أو قصة لأسقطها من أي مسابقة مدرسية، فما بالنا بمادّة على موقع إخباري! ثم هل حفر الموقع تحت سرير السيد حسن نصرالله ليأتي لنا بالمعلومات التي تخص مداخيل حزب الله؟ … أعتذر نسيت أن المادّة مترجمة واللائمة تقع على كاتبها لا على مترجمها. لكن الكاتب مجهول حتى الآن … لنتابع!

الفقرة الحادية عشرة:

وفي كاراكاس، أسس نصر الدين “مركزاً ثقافياً”. يقبل عليه بعض الأفراد ويتبرعون مادياً، دون أن يدركوا أنّ هذه المساعدات المالية تسافر إلى بيروت لتمويل الأنشطة غير المشروعة لحزب الله. يخصص جانب كبير من هذا المال لتجنيد الشباب اللبناني الذي يلقى حتفه في سوريا دفاعاً عن نظام بشار. أما الصلة الأخرى والمسؤول عن العمليات في المنطقة فهو فوزي كنعان، ويتخذ من فنزويلا قاعدة له أيضاً. يجتمع عضو الحزب الشيعي بشكل دوري بالقيادات العليا في حزب الله لتنسيق العمليات والتمويل.

يتابع “المترجم” كلامه في سيرة الرجل الغامض الذي ظهر فجأة في المقال، مع أنه ربطنا بثلاثة شخوص كان عليه أن يجعلنا نتابع معهم حتى نصل إلى جواب سؤاله حول “العملية البعيدة”. الكلام في سيرة الرجل مرسل على عواهنه، دون أن نفهم الرابط بينه وبين المخدرات، ولو كان رابطا مفترضا.

فجأة نرى الدولة السورية في المقال معبرا عنها بكلمة “نظام بشار”، وكأنه يريد أن يظهر ولاء الموقع لمموّليه حتى ولو لم يكن ثمة مناسبة لذلك. ولا أريد استعراض التاريخ القريب الذي يوضّح متى تدخل حزب الله في سوريا، وضدّ من. لكنني سأقول إن الشباب اللبناني “يلقى حتفه” على يد داعش وجبهة النصرة، ويساهم في أن تلقى الأخيرتان حتفيهما.

وتظهر في الفقرة نفسها شخصية جديدة، ونحن لم نعرف صلة الأولى بالمخدرات حتى الآن، حتى لو صدّقنا كل ما جاد به “المترجم”. نرى سردا لتاريخ هذه الشخصية المزعوم دون أي دليل أيضا ودون أي صلة بفحوى العنوان.

نحن شارفنا على نهاية المقال، فهل سيلمّ “المترجم” شتات مقاله، ويوضح لنا الصلة بين كل هذه الأسماء وتواريخها؟ لنتابع…

الفقرة الثانية عشرة:

لكن نظام شافيز لم يستعن فقط بالجنرالات لتنسيق العمليات غير المشروعة مع حزب الله و(فارك)؛ بل وأيضاً شركة النفط الحكومية التي كانت جزءاً من الهيكل الذي ساهم في تنفيذ صفقات ضخمة على مر أعوام. لعبت الشركة دوراً كبيراً في شراء رغبة وصمت الكثيرين بالمنطقة. وكان الهدف وراء ذلك نقل وغسيل مئات الملايين من الدولارات خلال حكم شافيز ومادورو.

الفقرة الأخيرة، نتوقع إجابات وتشبيكا بين الأسماء الواردة، فماذا نجد؟ لا شيء! الكثير من اللاشيء! ادّعاء آخر لا نعرف صلته بما سبق، ولعبة بهلوانية لغوية توحي بأنه سبق وأن وضّحت استعانة تشافيز بالمذكورين، وهي لم توضّح قطّ! حتى لو سلّمنا بأن الموقع صادق فيما ينقل، ومن كتب صادق فيما قال، فنحن دخلنا في متاهة طويلة، ولم نحصل على أي جملة صحفية حقيقية.

ناهيكم عن استدخال عنصر جديد إلى السردية غير المكتملة وغير المتسقة، وهو شركة النفط التي ورد ذكرها سابقا في سطر خنفشاري هو الفقرة التاسعة.

التذييل:

*مترجم مصري

اعتمد المترجم في إعداد النص على أخبار وتقارير منشورة بوسائل إعلام إسبانية

الآن… ساعدوني لأفهم: ما معنى هذا؟ يعني المادّة ليست مترجمة، ولكنها معدّة إعدادًا! معدّة من مصادر مترجمة، وهذه المصادر مجهولة، وكتبت باللغة الإسبانية التي لا ينتشر ناطقوها بين العرب كانتشار ناطقي الإنجليزية والفرنسية! لماذا لم يقولوا في مطلع المقال: إعداد فلان المترجم؟

خاتمة:

في الحقيقة فكل ما رأيناه من ألعاب بهلوانية في الصياغة، والعزو “إرجاع الكلام إلى قائلة”، واجتراح سردية مفترضة لا دليل عليها، والثقوب الهائلة الحجم في هذه السردية، ليس إلا مظهرا من مظاهر الفساد في القطاع الصحفي، هو رديف للفساد الظاهر في منهج الدول التي تموّل هذه الوسائل الإعلامية، وتظنّ أنها تستطيع فعل كل شيء باستخدام المال.

يبدو أنه ثمة مموّل جاهل، يقنعه صحفيّ متواضع القدرات، بموادّ بهلوانية، والممول لا يتقن القراءة جيدًا!

أستطيع بوساطة هذا المنهج في الربط أن أربط بين سرقات الكهرباء في جنوب إفريقيا وبين الصفات الوراثية لنبتة البازيلّاء في الأردن!

أعتذر لأنني لم أقدّم النقد بالظرافة التي تليق بهذه المادّة التي تدفع على الضحك… فأنا ضحكت كثيرا أول مرة قرأتها، لكنني عندما أعدت القراءة في سبيل النقد، خيّمت عليّ غمامة حزن على كثير ممن أعرفهم، ويُستكتَبون لمثل هذه المواقع.

في المرة الأولى التي قرأت هذه المادة كأول اطلاع على إنتاج الموقع، كنت أنوي أن أكتب مقالة كوميدية في نقدها، وفكّرت حينها بالإحالة على اسم الموقع “حفريات” بالمثل الشعبي المشهور: دجاجة حفرت على رأسها عفرت!