اربطوا حميركم!|رسالة إلى “الملحدين الجدد”

لا أريد تحويل هذه الرسالة إلى منافسة بين الطروحات المختلفة، التي تشترك في كونها تتصدّى للإرهاب المتأسلم، فثمة طيف واسع من الطروحات يكفي أي منها لإرباك يقين الفرد المتطرّف الممكن إرباكه، فلا يعود صالحا كمادّة خام لمصانع الإرهابيين، علما بأن كل هذه الطروحات مجتمعة لا تستطيع أن تزحزح من يتعبّد ربّه بالتشنّج والانغلاق. هدفي هو شيء آخر تماما، سيتضح مع تقدّم القراءة أكثر.

أريد تحديد الجمهور المخاطب أولا… أنا أوجّه خطابي هذا إلى الذين يحملون على الإسلام بذاته، لا على بعض الأفكار المرتبطة به، مهما كان هذا الارتباط عضويا، أي الذين يمكن تلخيص نتيجة كلامهم بجملة: “الإسلام ديانة زائفة”. إليكم أنتم بالذات، الذين تنادون بهذا، أوجّه هذه الرسالة.

واجهتني حالات كثيرة خلال مسيرتي في الكتابة ضدّ النسخة السائدة من الإسلام المدعومة من الخليج أو المحتمية بالشعبوية، لأفراد في مجتمعنا، بلغ منهم الصدق مبلغا جعلهم يصرّحون لمن حولهم أنهم لم يعودوا على دين آبائهم، ثم تفاجأوا بأنهم أمام معركة لم تخطر لهم على بال، فهم أبناء هذه المجتمعات رغم كل شيء، وهم ليسوا مثل بعضكم ممن بلغ من الشهرة أن يكون في مأمن، أو ارتحل إلى بلاد الغرب، هم ضمن هذا المجتمع، فرادى ضعفاء لا يملكون شيئا يتكئون عليه.

هؤلاء ومنهم مراهقون وشابّات غير مستقلّين ماديّا، كثير منهم على مقاعد الدراسة، يحسبون الصدام شجاعة، مقتدين ببسالتكم من وراء الشاشات، فيصادمون مجتمعهم الذي لا معرفة مسبقة لديه بالطروحات الفلسفية، ولا بالأديان المقارنة، ولا يعرف شيئا سوى الربط بين الإلحاد والانحلال الأخلاقي، فيصمهم المجتمع بما يملك، ولا يسمع منهم قولا.

يسقط في يد الإنسان منهم، بعد أن يرى ما كان مختبئا وراء قشّة، من ضرب واتهام بالانحلال وعزل عن المجتمع، وما إلى ذلك من ممارسات المجتمعات الشعبية المسلمة، وقد يصل الأمر إلى عرضهم على دجّالي إخراج الجنّ، أو تزويج الفتاة منهنّ إلى أوّل من يبدي استعداده لقهرها. فلا يكون من الفرد منهم إلا أن يبحث عمن يقنع أهله بانتهاج اللين معه، أو ينوّرهم قليلا مطمئنا إياهم أن ابنهم أو ابنتهم ما زال كما هو، ولكنه يفكّر في أمور يراها الأهل من المسلّمات.

نساء متزوجات حبيسات البيوت، يطّلعن على طروحاتكم في يوتيوب أو سواه، فيبدأن رحلة الاغتراب عن واقعهن، وهنّ لا يملكن من أمر واقعهنّ شيئا. قد تسهو شفاههن شيئا بسيطا فيكففن عن الإطباق، فيقلن طرفا مما تعلّمنه منكم، ليستبيح أزواجهنّ كل الممارسات التي قد يحميهن التديّن المجتمعيّ أو التقاليد من بعضها على الأقل.

هؤلاء الناس موجودون، وهم أكثرية جمهوركم كما أزعم، جمهوركم لا متابعيكم، فالمتابعون في أغلبهم هم الشتّامون الذين ينتشون على إطلاق الشتائم، كما تطربون لاستفزازهم، وأنتم تعلمون ذلك، لكنكم تهربون من ملاحقة ضمائركم بحجج مختلفة، قائلين لأنفسكم: نحن لسنا المذنبين في ما يتعرّض هؤلاء له، المجتمع هو المذنب، نحن نقول ما عندنا، وعلى كل أن يرى ما يناسبه، هذه حماقة من لم يقرأ واقعه جيدا قبل المواجهة… إلى آخر تلك القائمة من الحجج المريحة، لكن للأسف هذا لا يلغي ما يحدث، ولا يرفع عن هؤلاء البسطاء ضيما.

لا أقول: إنكم أنتم وحدكم المسؤول عن هذا. فالبسطاء الآخرون من المجتمع نفسه مسؤولون أيضا عن هذا الضيم، وشيوخهم الذين لا ينفكّون يربطون بين كل أمر كريه على المجتمع وبين الإلحاد، وبسطاء جمهوركم مسؤولون عن دراسة واقعهم قبل أي صدام معه، والدول مسؤولة عن عدم توفّر جوّ من حرية مناقشة الأفكار، وتوفير الحماية لكل مضطهد. لكنكم يقع عليكم نصيب من هذا اللوم.

استفزاز المتديّن البسيط بطروحات مفاجئة لا يمكن أن يقوده إلى العقلانية، لا تلك العقلانية التي تطمحون لها، ولا العقلانية المتوازنة التي تقرأ تاريخ الإسلام بموضوعية، وتقرأ الواقع بموضوعية، وتقرأ طروحاتكم أنتم أيضا بموضوعية، ودون انجراف انفعاليّ.

من قائمة الملومين على هذه الحال المتطرفون القتلة أنفسُهم، فهم ساعدوا على تنفير المسلم البسيط من ديانة أهله، وقدّموا لكم مادّة غنية للسخرية من معتقدات الشاب الغضّ والفتاة الطيبة، مع أنّ أهلهم قد يكونون مجرّد مسلمين شعبيين مسالمين، لم تستيقظ فيهم الداعشية إلا بعد أن رأوا ابنهم أو ابنتهم يفاجئونهم بآراء صادمة.

الآن أنتم أيّها “المفكرون” تسجلون أسماءكم في قائمة المذنبين، التي تضمّ دولا غربية ترونها قدوة، وهي تتحالف مع أكبر الرجعيات العربية، وتدعم المشروع الخرافيّ الديني للصهاينة في أرض فلسطين، وتضمّ أعداءكم من رجال الدين المتطرفين، وتضمّ المسلمين البسطاء، والمؤسسة التعليمية الساذجة، وكلّ ما لا يعجبكم أن تكونوا معه في القائمة ذاتها.

أليس الأولى أن تقولوا ما عندكم دون استفزاز، وأن تدفعوا جمهوركم إلى قراءة واقعه دون أن يحقد عليه، ودون أن ينفصل عنه! أليس الأولى أن تقرؤوا الجوانب المضيئة في هذا المجتمع على ندرتها، وأن تقدّموا طروحاتكم بصدامية أقلّ، أم أن حب الظهور يغلب ضمائركم!

أليس الأولى أن توصلوا للمجتمع أنكم منه وهو منكم، وأنّ اختلافكم في الأفكار معه لا يعني أنكم غير أخلاقيين، وأن تسارعوا للردّ على من يتصهين منكم، أو على من يربط من خلال سلوكه وألفاظه بين الانحلال الأخلاقي وحرية التفكير!

إذا كنتم تظنون أن الصدام يجعل طروحاتكم أشهر، فاعلموا أنه ينتج اغترابا عند من سمع كلامكم فأطاعه، وأنه يزيد في درجة داعشية المجتمع، وأنه يمكّن الدجّالين من رجال الدين من رقاب الناس، أي أنه يفعل كل ما من شأنه أن يجعلكم تعيدون النظر فيه.

الإعلام يظهركم أنتم، ويظهر المتطرفين من رجال الدين، ولا يظهر الجلود المزرقّة، ولا الوجوه المتورّمة جراء الضرب، ولا الانسحاب من المؤسسة التعليمية، ولا يظهر حيرة البسطاء التي تشلّهم، أو تجعلهم يرتدّون إلى أعنف مما كانوا عليه، لأنه في النهاية فرجة. نعم الإعلام فرجة، يبحث عن متابعين أكثر، وهذه القصص اليومية لا تجد من يتابعها، وهي في الأصل تملك موانع شخصية عند من يعاني منها ضد نشرها.

إذا كنتم بالفعل أحرار التفكير فلم لا تنشغلون بالردّ على الجهلاء منكم؟ لماذا تقصرون هجومكم على الديانة ذاتها؟ وأغلب أتباعها بسطاء ليسوا منتسبين لداعش ولا حتى متعاطفين معها!

حركات الإصلاح المجتمعي تتعرض للتنقيح دائما، وتخرج على صورة نسخ متعاقبة تختلف اختلافا بسيطا، ولا يتغيّر الناس من لون إلى لون فجأة. أقول هذا وأنا بالتأكيد لا أريد أن أرى المجتمع وقد تحوّل إلى نسخ عنكم، لأنه لن يكسب شيئا إذا تحوّل من رؤية مثالية تقدّس الماضي، إلى رؤية مثالية تشيطنه.

وكما نقول لأهلنا ممن لم يقرؤوا أدبيات الإسلام وتاريخه، فانطلقوا يدافعون بجهالة مضرّة، نقول لكم أنتم أيضا: ربّطوا حميركم قليلا!