المرافعة ضدّ الرفايعة

 

نشر الكاتب الذي يوصف بأنه ليبراليّ، باسل الرفايعة منشورا على صفحته في فيسبوك، والتقطه موقع الجزيرة القطرية ليضمنه في مقال، والمنشور لاقى رواجا فقد سجل أكثر من ألف إعجاب، وقرابة مئة مشاركة، هذا غير نسخه ولصقه أو تصويره ليكون منشورا مستقلا، والمنشور الذي نشره يستحق وقفة، للاطلاع على دخيلة هذا النوع من الكتّاب.

سأقتبس الفقرات لأعلّق عليها واحدة واحدة، ثم أتحدث عن المعنى الكليّ، وسيكون لون ما كتبه باسل الأزرق، ولون التعليق الأحمر:

“مَنْ راقبَ بعضَ الأردنياتِ والأردنيين سيجدُ أنهم:

* مع بشار الأسد ضدَّ عبدالله الثاني.

* مع صدام حسين ضدّ عبدالله الثاني.

* مع صدام وبشار معاً ضدّ عبدالله الثاني.”

لعل الكاتب لاحظ أن الافتراض الذي وضعه ثقيل، ويتعذر إثباته، وهو في الحقيقة مصادرة على مطلوب (نوع من المغالطات المنطقية)، فترك فجوة تعفيه من إثباته باستخدامه كلمة “بعض”، لكن التقسيمة التي جاء بها عجيبة، فالأردنيون بمعظمهم، كما أذكر، كانوا مع المؤسسة الملكية والعراق، لدرجة أنهم شاهدوا صدام على القمر، وبجانبه الملك حسين، وأستطيع عدّ كثير من الناس يؤيدون الملك عبد الله الثاني في الأردن، ويؤيدون بشار الأسد، أي أنّ هذه التقسيمة بالفعل غريبة جدا، وهي تنزل تحت “مغالطة التقسيم الخاطئ”.

“ولا يحقُّ لكَ أنْ تسألَ عن علاقة الملك عبدالله الثاني بأحقر مُجرميْن عرفهما تاريخُ العرب الحديث. عبدالله الثاني، الذي لم يقتلْ أردنيّاً واحداً، لا بالكيماوي، ولا بسكين مطبخ.”

في الحقيقة أنا أريد أن أسأل هذا السؤال، لكنه موجه للكاتب: ما الذي دفعك إلى حشر هؤلاء في الجملة الواحدة كنقائض؟ هل هي مغالطة رجل القش؟ التي تقوم على نسب قول من صناعتك لخصمك ليسهل عليك تفنيده.

ثم من قال: إن صدّام وبشّار هما “أحقر مجرمين عرفهما تاريخ العرب الحديث”؟ هذا شيء تقوله أنت وعليك إثباته، وأظن أنك لن تقدر، رغم أنني هنا لا أدافع عن أي منهما، فهما وراءهما ما وراءهما من مدافعين، لكنني أناقش جملتك المطلقة على عواهنها.

أما الإجابة عن العلاقة بين صدام وبشار من جهة، وعبد الله الثاني من جهة أخرى، فأظنها تنقسم إلى شقين:

الأول: علاقة أنت فرضتها لترفع سيف الدولة ضد من يعارض كلامك، وهذا سلوك “ليبرالي” مأصّل!

الثانية: أنك تدرك أن نهج المؤسسة الملكية في الأردن يقع على النقيض من نهج قادة آخرين صادموا الولايات المتحدة.

وبما أنني وضحت العلاقة، فلابدّ أن أشير إلى سلوك إعلامي أمريكي تنتهجه أنت في هذه الجملة، وهذا السلوك من ثلاثة بنود:

الأول: تحميل هامش قولك، وهو سؤال استنكاريّ، قولا ثقيلا يخففه وروده على الهامش.

الثاني: وهو هذا القول، الذي يفترض أن بشار وصدام استخدما الكيماوي فعلا ضدّ شعبيهما، وهذا إما أن تقدر على إثباته، أو أن تصمت عنه، يضاف إليه تبرئة النظام الأردني ضمنا من أي دم، والنظام الأردني مسؤول عن إزهاق أرواح المنتحرين بسبب الظروف الاقتصادية بعد تخلي الدولة عن كل مسؤولية لها، ناهيك عمّن قضوا تحت التعذيب، أو سكت القضاء والصحافة عن دمهم.

الثالث: تجعل المسألة شخصية، وكأن صدام أو بشار كان يحمل أحدهما ساطورًا، ويقطّع الرؤوس، وهذا في الحقيقة يبرئه ضمنا من جرائم ارتكبها في حق طريقة إدارة بلده، فهو إن لم يمسك ساطورا فهو بريء، كما تحيل أنت على الملك عبد الله الثاني، وهذه مغالطة الشخصنة، التي يدمنها الإعلام الأمريكي، وتدلّ في الحقيقة على تعلقك بالشخوص وعدم نظرك إلى سياستهم.

ناهيك عن أنك تلصق أي فشل في إدارة البلاد بالقائد الأعلى لها، وهذا يحتاج نقاشا.

“لا يحقُّ لكَ أنْ تستغربَ ذلك. لأنهم سيصفونكَ بأنكَ “طبّال”. ويقولُ اليساريون بأنكَ “مدّاحُ سلطة”، وكلُّ ما كتبتَهُ في حياتك ضدَّ السلطةِ في الأردن، وضدّ تغوّلها الأمنيّ، وفسادها، وفصامها…سيكون هباءً منثوراً.”

لا أبدا، كلامك غير صحيح، نحن نعلم أنك لست طبالا، أنت عازف محترم في جوقة غير محترمة تكرس النهج “الليبرالي” الذي يمثل نهج السلطة، وهو نهج تسليم البلد إلى الشركات الأمريكية والصهيونية، وما تقوله ليس تسحيجا، لكنه محاولة لتوريط من يعارضون ما يسمى بالربيع العربي في خصومة مع رأس الدولة، ليسهل اقتلاعهم.

عموما، أعتذر للقارئ على تورطي في توجيه حكم شخصي على الكاتب باسل رفايعة، في الفقرة السابقة، لكن لابد من تبيان أن نقده لبعض مفاصل السلطة لا يفصله بالضرورة عن مشروعها، وهو من أعمدته ثقافيا.

“على أنَّكَ تستطيعُ أنْ تشتمَ النظامَ الملكيّ في الأردن، وأقصى ما تتلقاهُ الحبسَ ثلاث سنوات، بتهمة “إطالةِ اللسان” وذلك عارٌ عظيمٌ على السلطة التي تسمحُ بوجود مثلِ هذه التهمة، لكنكَ تعودُ إلى بيتكَ وعملكَ، ويزوركَ أهلكَ في السجن، ومعهم منسفُ، ومكسّرات، وبطاقةُ هاتف، ولا أحدَ منهم يُسجنُ، أو يُفصلُ من عملهِ، أو يغيبُ عقوداً في سجون المخابرات، بل إنهم سيتظاهرون لإطلاقِ سراحكَ، ويُصرِّحونَ للإعلامِ ومنظمات حقوقِ الإنسان.”

يبدو أن الكاتب غائب عن تنظيم أي مظاهرة، فالنظام الأردني لا يسمح بالتظاهر بالصورة التي وصفها، وقد يخالف كل الأعراف التي يروّج لها، إذا كانت المظاهرة تهدد نهجه، ويمكن أن يصل به البطش ما يصل بأي حكومة، لولا أن شرعية نهج الدولة الأردنية آتية من الخارج لا من الداخل، ولذلك فالحكومات تضطر لمراعاة صورية لحقوق الإنسان في حال حصل الضحية على تغطية واسعة من الإعلام الغربي، لكنه في الحقيقة يفصل من عمله، ويهان، ويضرب، بل وقد يُسلّط عليه رهط من المجرمين، كما حدث من قبل مع الشهيد ناهض حتر، ومع ليث شبيلات، ومع جميل النمري، وهؤلاء من المشاهير، أوردتهم مع أنني لا أتفق معهم، وقد حدث أفظع من هذا مع كثير ممن لا يعبأ بهم الإعلام، ولا المنظمات الممولة أجنبيا، لأنهم “أحقر” من أن يذكروا.

آه صحيح، أذكرك بأن ناهض حتر قتل بعد الحادثة  التي ذكرت بمدة، وأنت تعرف أن قتله ليس جريمة فردية، بل نتيجة لنهج تبنته الأردن لسنوات، وهي الآن تنقلب عليه، وما تبنته ولا انقلبت عليه إلا بإملاء خارجي (هذا زعم مني وليس حقيقة مسلم بها).

“أمّا صدّام حسين، فقد كانَ أدنى انتقادٍ لعظمتهِ يُكلّفُ دمارَ مدنٍ وبلداتٍ بأكملها، ولا يرضى غرورهُ إلا بالمجازر الجماعية، فالموتُ مصيرُ “الغوغاء” دائماً. ومن المفيدِ التذكيرُ بخربشاتِ أطفالِ درعا، وبالتمثيلِ في أجسادهم، لوأدِ المؤامرةِ المريخيّةِ على بشار الأسد، وصولاً إلى مذابحِ الكيماوي.”

مضحك ما تقول، فهذا تداول لحكايات شعبية، أدنى منزلة في وجود واقع حقيقي وراءها من “نص نصيص”، و”خشيشبون”، فروايات تدمير صدّام لبلدات لأن أحدا منها انتقده، روايات شعبية لا تصل بحال لمنزلة أن تناقش، ولا أشك في أن الرجل كان عنيفا، لكن ما قلته هو مجرد “هجص”، أما خربشات أطفال درعا، فأنا أعلن عن جائزة مقدارها الأرض وما عليها وفوقها السماوات السبع لمن يأتي بدليل معتبر واحد على أنها حدثت، أتحداك وأتحدى كل من نشر مقالك وأعجب به، ومن ورائكم داعش والنصرة، والفيالق كلها، هاتوا دليلا وسأعطيكم مصباح علاء الدين بمارده.

“عبدالله الثاني ملكٌ جاءَ به الدستورُ، ونظامُ الحكم النيابي الملكيّ الوراثيّ. لم يغتصب السلطة من رفيقهِ، مثل صدام حسين، ولم يُحوِّل نظاماً جمهورياً إلى نظام ملكيّ، مثل بشار الأسد الذي ورثَ أباه بعد وفاته، بتعديل الدستور السوريّ في عشر دقائق، لتسمح مادته الـ(83) له أنْ يرثَ القصرَ الجمهوريّ، و”سورية الأسد”.. كلها”.

أنت تبسط الأمر كثيرا يا رفايعة، لأن الدستور بذاته جاءت به المؤسسة الملكية، ثم عدلته مرة بعد مرة، وقد عدّل فيه بند يمكّن الملك عبد الله من ولاية العهد، لأنه، على ما أذكر، كان الدستور يشترط أن تكون أم الملك عربية، وأترك لك التحقق من هذا، أما ما أنا متأكد منه أنه حصلت أحداث لم يساهم بها أي واحد من الشعب الأردني، داخل القصر، نحّت الأمير الحسن بن طلال، وأتت بالأمير عبدالله بن حسين حينها وليا للعهد، وقبل ذلك حصل ما هو أكبر من ذلك مع طلال نفسه، ولم يستشر أردني واحد ولو صوريا في رأيه بمن يحكمه، فكما يقول المثل : احنا عمش وانتو عور، خلوا هالطابق مستور … يا عرعور.

“هذا الكلام مُوجَّهٌ للأردنيين الهتّافين للطغاة والمستبدين، لفضحِ فصامهم وانحيازهم الأعمى للمجرمين. وليسَ في أية حالٍ دعايةً لنظامِ الحكم في الأردن، أو دفاعاً عن أيةِ سياساتٍ رديئةٍ وقبيحةٍ للسلطة.”

أنتدب نفسي هنا عن كل “الهتافين للطغاة”، مع أنني لا أعدّ نفسي منهم، لأقول لك:

نحن وقفنا ضد فكرة الربيع العربي، والفوضى التي تلحقه، فيبدأ الأمر بتجريم شخص القائد سواء كان القذافي أم الملك عبد الله، ثم ينتقل الأمر إلى معاداة جيش البلد، وتستمر السلسلة إلى أن ينفجر الأمر فيتكشف الركام عن “مارد إسلاموي” يأكل الأخضر واليابس، إن كان يبقى بعد هذا شيء أخضر أو حتى يابس.

وقفنا ضدها في الأردن، وكذلك في ليبيا، وكذلك في سوريا، ونحن نناصر الدولة القطرية في معركة بقائها ضد التجزئة والفتنة الطائفية، لكننا نعرف كيف نتحدث ولماذا، و”شورنا من راسنا” وليس من السفارة الأمريكية، ولا الصهيونية، لذلك لا نتورط في حديث كل ما يحاوله هو إرهاب الناس عن قول رأيها، من خلال ترهيبهم بسيف السلطة، كما فعلت أنت في هذا المنشور.

ولأننا سادة أنفسنا، قد نسمح لأنفسنا أن ننجرف قليلا، فنردّ على من يشخصن المسألة، بالقول بأن المسألة ليست شخص القائد، فإن أصر على عدّنا شبيحة وبلطجية وغير ذلك، واتهمنا بأننا نتموّل من السفارة السورية أو من القذافي حتى بعد أن قتل، قلنا له وليكن ذاك، قل عنا ما تشاء، وحين يصل الأمر للحرب، فيكون شخص الزعيم هو الراية التي يحاول الأعداء إسقاطها، سواء كانوا صهاينة أم عراعير، رفعنا صورة القادة لأنها السبيل الوحيد على إبطال زعمكم بأن العرب كلهم ضد هذا القائد أو ذاك.

ما حاولت فعله في هذا المنشور مشين ودنيئ، وهو يضر بالمسألة التي نحن متفقون عليها، وهي القضاء على استغلال الدين في السياسة، إذ إنك بما كتبت صار تفنيد طرحك كله “وهو ما نتقاطع مع بعضه” من خلال شخصك، أي بنهج المدرسة نفسها التي تتبعه في النقد، أمرا سهلا عند الدواعش في داخل الأردن، ناهيك عن أنك يجب أن تلاحظ كيف التقطت قناة الجزيرة (وهي من هي في مساندة الإرهابيين كما أظنك تعلم) مقالتك وسارعت إلى توظيفها، وهي القناة التي كانت سلاحا مسلطا على الأردن منذ مدة قريبة.

أرجو أن ينتصر الشق الليبرالي فيك على الشقّ الانتهازي، ولا تحاول استغلال هذه المقالة التي حاولت نقدك بصورة علمية، أقول حاولت ولا أدعي أنني نجحت، لتأخذها إلى من بدا لي أنك تلوح بسيفهم في منشورك.