“شيوخ” الوهم

الكهنة المسلمون يحموننا من شرور عظيمة، مثل استحواذ الجن علينا، ومثل الحسد، والسحر، وعذاب القبر، وقلة البركة، وهم في الوقت نفسه لديهم قدرات خارقة فهم مثلا لديهم كرامات، وقدرات حفظ هائلة، فهم يحفظون مئات آلاف الأحاديث مع أسنادها، ولديهم معرفة بشخصيات الموتى، ورؤياهم صادقة، ولحومهم مسمومة، ويعبرون الرؤيا، ويستنبطون لنا الفتاوى في أمور لم تخطر على بال القدماء، وحتى عندما يخطئون لهم أجر، ناهيك عن أجرين إذا أصابوا.

هم أيضا يمنحوننا عروضا رائعة مثل الرجوع كيوم ولدتنا أمهاتنا بترديد تعويذة ما، أو نخلة في الجنة بتعويذة أخرى، ويصل فيهم الأمر أن يعدونا بالنصر على كل أعدائنا إن أطعناهم، فيغدو الله بذاته يدنا التي نبطش بها ورجلنا التي نمشي بها، تخيل أنهم يجعلون الله رجلا لك!

هؤلاء استثنائيون بكل ما في الكلمة من معنى، إنهم يحبوننا ويخافون علينا الضلال، ويدعون لنا دائما، بل وإنهم يساعدوننا لنكون أناسا أفضل فهم ييسرون علينا أداء صدقاتنا وزكاة أموالنا، حتى أنهم جعلوا ذبح الأضاحي أسهل، الآن يكفي أن تبعث رسالة من جوالك ليضحوا عنك! بل إنهم مستعدون لذبحنا نحن ليعجلوا لنا عقابنا لعلنا ندخل الجنة!

لكن رغم كل هذه الروعة التي هم عليها، بقي في نفسي شيء منهم منذ كنت صغيرا، هو سؤال صغير لكنه غير حياتي: لماذا كل ما يتعلق بروعتهم غير ملموس، بينما يطلبون منا أشياء ملموسة؟!

الجن، والحسد، والسحر، والبركة، وفتاواهم، وكراماتهم، وحافظتهم، ومعرفتهم، ورؤياهم، ومكافآتهم لنا، وعروضهم، وحبهم لنا، ودعاؤهم، وخوفهم علينا، ومصير ما يأخذونه من أموالنا، ولحم الأضاحي التي ندفع لهم ثمنها، وأعمال الخير التي يأتونها بالسر! هذا كله… كله غير ملموس، بعكس العرق الذي يتصبب من فلاح أو عامل وهو يحاول أن يحصل دينارا واحدا من الملايين التي يتمتعون بها! كل ما عندهم لنا غير ملموس، بعكس دماء نفس قتلت رجما أو جثة رجل ذبحوه! كل ما عندهم غير ملموس. بعكس حرارة دمعة فتاة حزنت بسبب زواجها ممن لا تحب! لأن من تحبه لا يصلي! بعكس الطرقات التي يفلحها عاشق خائب جيئة وذهابا! بعكس حذائه المهترئ! كل ما عندهم هي أمور ليس لها جسم تستطيع تجريبه، بعكس ورقة عباد شمس واحدة تمتحن السائل القلوي أو الحمضي في مختبر المدرسة، فتدهش الطلبة الصغار، بعكس الطاقة التي يوفرها محرك احتراق داخلي واحد!

لماذا كل هذه اللاملموسية؟ لماذا كل هذا الوهم المتراكم؟ إذا كانوا كما يدعون يملكون الحقيقة الأعلى شأناً؟!ماذا لو جردوا منا وكانوا وحدهم دون جمهور منا نحن “الجهلة الخاطئين”؟ ماذا لو كانوا وحدهم في بلد بعيد، هل يساعدهم علمهم المزعوم في قلي بيضة، أو تدجين الدجاجة التي تأتي بها؟ أم هل تسعفهم كراماتهم لزراعة العلف الذي ستأكله الدجاجة؟ هل سيلبسون ثياب التقوى مثلا! ولن يحتاجوا للنساجين؟

أقسم لك إن شسع نعل قحبة باتت ليلها تحت زناء قذر متسخ متعب قضى نهاره ينظف القاذورات أكرم من جبين كل من رضي على نفسه أن يستغل طيبتك وإيمانك بالله ليعيش على ظهرك!