هل الفقير كسول؟| نحو ثقافة اقتصادية

“أليس عجيبا أن الإنسان، وهو أكثر الحيوانات تطورا، لا يستطيع بناء بيته بنفسه كما تفعل سائر الحيوانات!”

في العصور الخالية، كان على البشريّ إذا رغب في العمل أو الإنتاج أن ينهض من نومه ويباشر العمل فقط، يستطيع المشي باحثا عن حجر صوان يكسره ليتخذ من حدّه شفرة له، ويمشي أكثر ليجد غصنا يابسا يقصه بشفرته ويديه، وقد يصنع من كليهما رمحا، قد يصطاد أرنبا بريّا، يسلخ جلده ويضع عليه الملح الذي يجده في الصخور، ليدبغه دباغة بدائية، ثم يكون له رداءً أو زينة من ثياب أو أثاث، ويكون لحمه له غذاء.

حتى بعد تطور الحياة وتعقيدها، بعد الثورة الزراعية، كان بمقدوره أن يصنع أدوات زراعته، وينثر بذورا ثم يسقيها ليأكل من نتاجها، يجمع حطبا يابسا ليوقد نارا، أو يجمع أدواته الأولية ليخضعها إلى صناعة تحويلية بدائية لينتج منتجا ما، يستطيع المقايضة به، وهكذا فقد خضع الإنسان للانتخاب الطبيعي، ومات كثير من الكسلى، ولم يستطيعوا التناسل.

قد تكون جينات الكسل بقيت مختبئة ثم ظهرت مجددا، عند بعض الناس، لكن لا يمكن أن تكون جينات النشاط اختفت تماما من أمة من الأمم، حتى وصلنا إلى هذه الشعوب الكسولة ذهنيا وإنتاجيا، فإذا رأيت نفسك أو أحد إخوتك أو أقاربك أو أصدقائك، يستلقي طول اليوم دون أن يفعل شيئا منتجا، فتمهل قليلا قبل أن تلقي عليه باللوم، فالحياة منذ الثورة الصناعية تعقدت كثيرا، حتى عند الشعوب التي لم تشهدها، فنتائجها عمّت الكرة الأرضية كلها.

الثورة الصناعية أدخلت البشرية في طور جديد، فلكي تكون منتجا عليك أن تمتلك وسائل كثيرة، من مواد أولية وآلات وعمالة ومعرفة ونظام عمل وطاقة ونقل، وبعد هذا كله سوق تحتاج منتجاتك، وعندها القدرة على استهلاكها، هذا بدايةً، لكن الوضع في ظل التنافس تعقد أكثر، فبات النفوذ الذي يطلعك بهذا كله أساسا لامتلاكك هذه الوسائل ولحمايتها، وبسبب هذا مضافا للجشع الإنساني جاءت حقبة الاستعمار المباشر، واشتعلت الحروب الطاحنة بين القوميات المختلفة.

فالذي يعزو فقر الفقير إلى كسله ليس مخطئا فقط، بل وهو ظالم ظلما شديدا، حتى الانتاج في عصر الثورة المعرفية ليس بالبساطة التي يتخيلها الناس، فأبسط المنتجات المعرفية وهي النصوص المكتوبة لا تأتي من فراغ، تحتاج لقراءة وحوار وجو ثقافي، فليس ثمة إنتاج فردي تماما في هذا الزمن، حتى الكود الذي يكتبه مبرمج، يحتاج إلى تعليم واطلاع بحاجات السوق ورصد دقيق وبيئة برمجية، ونافذة تسويق للبرنامج، وسبل تداول رقمية للمال، وما إلى ذلك من بنية تحتية للإنتاج.

هذا العصر المليء بمحددات النشاط الإنساني، وتراكم متطلباته، وتعقيد البنية الاجتماعية للمجتمعات، وتعقديات السياسة، لا تستطيع فيه أن تصنف الناس حسب نشاطهم الفرديّ، إلى كسلى ونشطين، حتى تتأكد من أنه ثمة فرصة حقيقية أمامهم لا يستغلونها، فضلا عن تتأكد من أنهم على علم بهذه الفرصة ويحسنون تقديرها، ويمكنهم النظام السائد من استغلالها.

حتى الانتاج الزراعي البسيط بات أعقد مما تتخيل، فالمزارع الذي يحسن جوانب مهنته كلها، يقع ضحية الفقر، انظر إلى المزارعين الأردنيين في غور الأردن، وهم يرمون منتجاتهم في الشارع، بعد دخول منتجات العدوّ الصهيوني إلى السوق الأردني، وانتفاء قدرتهم على المنافسة، في ظل نظام ييسر لعدوّهم أن يبيع منتجاته لأهلهم، متحججا بالانفتاح ومعاهدة “السلام”.

لا أقول لك نم في فراشك حتى ينعم الله عليك بجيش قوي، ونظام يراعي مصالحك، ويسخر الجيش في الدفاع عنها. ولا أقول عد إلى البدائية، والعملة الذهبية، وأحلام ما يسمى بالخلافة الإسلامية، طبعا! لكن عليك أن تعرف أسباب القوة والمنعة التي تسعى الدول لها، وتحاسب ساستك على أساسها.

نحن في عصر الاقتصاد الحديث وما بعد الحديث، والحروب الحديثة وما بعد الحديثة، وأمامنا مهمات عظام، قائمة طويلة من المهمات التي عجز عنها أجدادنا، لا لكسلهم، بل لأن الظرف الموضوعي لم يسمح لهم بإنجاز ما يجب إنجازه، ولا تتحجج بالظرف الموضوعي أيضا، فظرفنا يختلف عن ظرفهم.

الاتصال الجغرافي الذي أفشل انعدامه وحدة سوريا ومصر، في الجمهورية العربية المتحدة، لم يعد له الأهمية ذاتها في العصر الرقمي، مراقبة أداء الجسم الإداري للدولة لم يعد بالصعوبة ذاتها، حتى مقارعة المحتل بات لها سبلها المبتكرة، لكن مع كل هذا فثمّ أمر جلل لم يتجاوزه الزمن حتى اليوم.

لأن السلع العامة (الأمن، التعليم العام، الثقافة، شبكات الطرق…) والمجتمعية (ما لا تستطيع استغلاله لوحدك، كالانترنت، التعليم الخاص…إلخ)، تحتاج بخلاف السلع الخاصة (ساعة يد، حذاء…إلخ)، إلى أداة عامة تحققها، سواء كانت هذه الأداة دولة، أو حزبا منظما، أو أي جسم إداريّ مبتكر، فنهضة العرب بحاجة إلى أداة عامة، تسخر مقدرات الأمة العربية كلها في سبيل تحقيق مصالح العرب، لذلك يجب علينا الشروع في تحقيق هذه الأداة العامة، التي وإن اختلفنا على شكلها، فلا نختلف على وجوب تحقيقها.

هذا ليس عذرا للإنسان العربي، ليلقي باللائمة على الساسة، هم ملامون طبعا، ولكن يجب عليك أن تبحث عما تفعله في سبيل امتلاكك القدرة على أداء واجبك، وأول شيء تفعله هو طلب المعرفة، ولتكن حذرا فالمعارف القريبة من يدك مسمومة، فإما أن تكون ما يتيحه لك النظام الذي يسعى لمصالح طبقة محددة، هي مجموع مصالح أعضاء هذا النظام الآنية، وإما أن تكون آتية من عصور سالفة، انتهت مدة صلاحيتها، كفتاوى فلان وفلان، فكل ما استطاعه مجتمعك المتخلف هو أن ينقلها إليك، وقد تسامحت الأنظمة معها لقدرتها العالية على تخديرك، وبدأ الآن يضيق بها بعد انتشار الإرهاب، وتقويض السلم الأهليّ في عدد من البلدان العربية، باسم تحقيق الإرادة الإلهية.

المعرفة المطلوبة أولا تصنف في القدرات العقلية، لكنها مكتسبة لا غريزية، وهي القدرة على التفكير والتخيل، وامتلاك ملكة النقد، وهي ليست شيئا تبذل جهدا في سبيله مرة واحدة، هي مثل العضلات التي إن لم تستخدمها بصورة دائمة ضمرت واضمحلت، وهي تنمو جنبا إلى جنب مع العمل، وهي ما يحفظك من المعارف المسمومة التي يعج بها الفضاء العربي، ولا سبيل لتجاوز هذا بصورة جماعية إلا من خلال اتباع المنهج الشكوكيّ، والجدال المستمر، والحوار المنفتح، اللواتي لا سبيل لأي منهن إلا باستدامة السلم الأهليّ، وإطلاق حرية الرأي، والحراك الثقافي النشط، والأخذ على يد كل من يهدده ولو بالكلام، سواء كان السلم الأهلي في بلدك أم في بلد أخرى.

كل ما سبق كان محاولة لتلخيص الحالة المعقدة التي نعيشها اليوم، والتي يتجاهلها من يحكم على الناس بسبب حالتها المادية، أو المعرفية المزرية، فحالة أبناء بلدك ليست نتيجة لنشاطهم هم فحسب، لكنها نتيجة لنشاطك أيضا، ونشاط أبيك وجدك، بل ونشاط الأمم الأخرى، ونتيجة التجربة البشرية بعمومها.