في شرف السؤال

يسأل الصغير سؤالا، فيجيبه أبوه أو أ‏مُّه، فيجد في الجواب شيئا آخر يسأل عنه، فيجيب الأهل مرة أخرى، حتى إذا ملُّوا من أسئلته المتكررة، وهم يملُّون سريعا، يهربون إلى منطقة أخرى، تتراوح بين الضرب، والشتيمة، والشكوى من كثرة الأسئلة، إلى إلصاق الجواب بإلهٍ ما، تضرب حوله هالةُ القداسة سورًا يمنع متابعة الأسئلة، أو في أحسن الأحوال المرصودة، يدَّعي الأهل أن هذا الأمر غير معروف في ذاته، ولا يقولون ببساطة: إنهم لا يعرفون الجواب بسبب جهلهم.

ما يسعى له الأهل هنا هو الراحة، لكن ما لا يعرفونه هو أن الراحة قد تتحقق من طريق الاعتراف بالجهل، أسرع من غيرها، بل وإن هذه الطريق هي الطريقة الوحيدة التي تريحهم، وتريحهم من جوانب عدة، بما فيها الأسئلة المتراكمة التي لا تتوقف، فإذا سأل الولد سؤالا لا يعرفون جوابه، وهو دائما يفعلها، فإنهم يملكون سببا يذكرونه به، ليدفعه لتعلم القراءة بدل اختراع قائمة أسباب مفتعلة لدفعه لتعلم القراءة، بدل الغيرة من إخوته، أو زملائه، وما يشابهها من حيل بغيضة، لها آثار سلبية كبيرة عليه.

لا نظلم إن وصفنا ثقافة العرب المعاصرين بأنها ثقافة معادية للتساؤل، فقد ووجهتُ غير مرة بشاهد آية أو مروية حديثية تنهى عن “السؤال”، قيل لي مثلا: (لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم)، و”أنهاكم عن قيل وقال، وكثرة السؤال”، وما إلى ذلك من أقوال، لا ينطبق أي منها على التساؤل المعرفي، فمنها ما يمنع البحث في عيوب الناس وعوراتهم، ومنها ما يمنع البحث عن أمر إلهيٍّ حول ما سكت الله عنه من أحكام تركها للناس، ومنها ما يمنع التسوُّل، لكن الفهم الخاطئ لها يوافق هوى من لا يريد أن يعترف بجهله، ويريد أن يريح رأسه من البحث، محافظا في الوقت ذاته على سيطرة تامة على من يسأله، سواء كان تلميذا يسأل أستاذه، أو طفلا يسأل أباه.

ولنعرف عن أي سؤال نتحدث، فلنبحث في ما يجعل الجملة تامة، إذ إن السؤال هو جملة استعيض عن أحد ركنيها بأداة استفهام، وبغض النظر عما إذا كانت الجملة اسمية أم فعلية، فركنا الجملة التامة هما: المخبر عنه وهو موضوع الكلام مبتدأ أو فاعلا أو نائب فاعل، والمخبر به وهو متن الخبر. وهنا نحن أمام دلالتين يتحرك الذهن بينهما ليكون للكلام معنى، فإن كان المعنى هو حركة الذهن بين دلالتين، فالسؤال حركة في الذهن تنطلق من دلالة أولى تحاول أن تجد دلالة أخرى تتحرك باتجاهها.

حركة الذهن بين الدلالات هي شاهد حياة هذا الذهن، وبدونها هو ذهن ميت، فأنت عندما تخبر ابنك ألا يسأل عن شيء ما، إنما تحد ذهنه، وتقتل وعيه، وتقضي على تفكيره، فلولا انتبهت لذلك، وقلت لابنك أن يتعلم القراءة ليقرأ حول سؤاله، فستستريح حينها من اختلاق أسباب منحرفة لتدفعه باتجاه تعلم القراءة، وربما دعوته إلى تدوين سؤاله ليبحث عنه في المستقبل، فحببت إليه الكتابة.

ليس الأمر خاصا بأطفالنا وحدهم، بل ويخصنا نحن أيضا، فإذا أردنا أن نغير أو نتغير فلا مناص من التساؤل، وطرح الأسئلة المستمرة تماما كما يفعل الطفل، فمن بات خاليا من السؤال، فهو قد بات خاليا من التفكير، ولأن الوعي في حركة لا تتوقف، فهو سيعمل على اجترار ما يعرف، وحينها فالتعصب هو النتيجة الحتمية، التعصب لما نعرف وضد ما ننكر.

السؤال هو القمة النامية للوعي، وموت السؤال دالّة موت الوعي، فالحياة معرفيا كالحياة واقعا يجب ألا تخلو من عمليات أيض، وكما يشتمل الأيض المعرفي على البناء فإنه يشتمل بالضرورة على الهدم، أي أن المتعلم لابدّ أن يستغني عن أفكار ويعتنق أخرى.

هذا لا يشمل كل الأفكار، أما الأفكار التي لا يشملها الهدم فهي تلك الأفكار المتجددة الحاضرة ضمنا أو صراحة في كل الأفكار، لا سيما تلك اللازمة للهدم والبناء، وهذه لا يضيرها السؤال أو تكراره، فلا مانع منه، وأما الأفكار الأخرى في الدائرة الواسعة فهي عرضة للهدم والبناء، ومن لم يعرّضها للسؤال فقد انتحر معرفيا. والسؤال لا يعلّم، إنما ينبّه من نومه، ففي بذرة الطفولة يكون السؤال حاضرا كنواة للوعي، به نتعلم المشي واللغة الأولى، وننمو ونكبر ونحن نتبع الضوء، حتى تظللنا الأفكار المسبقة، فإن كنا لا نموت تماما حينها فنحن لا ننمو، ومع أن السؤال لا يعلم، فتقليم الأفكار المسبقة أو الإطاحة بأشجارها من حولنا، هو الذي يدخل أشعة الحيرة إلى وعينا، ليعود وعينا إلى الحياة، وليعود إلينا السؤال.

لا أقصر الحديث عن سؤالنا اللفظي الموجه إلى أحدهم، وإن كنت لا أستثنيه، بل إنني أتحدث عن المادة الأولى للسؤال، السؤال في حالته الأولى وما يشتق منها، أي الحيرة أو أول ما يعترينا عند النظر في شيء، فنبدأ بتكوين أسئلة قد لا تكون منطوقة عنه، هذا الذي أعنيه بالسؤال، وهو الفراغ المتخلق في وعينا الذي ينتظر أن يملأه النظر والاستقراء والتفكير بالمعطيات، فإن كان الفراغ هذا ليملأ قسرا بأجوبة جاهزة، فهذا امتلاء يشوّه الوعي، إذ لا يكون شكله مطابقا لشكل فراغ السؤال، وهذا في الحقيقة ما تفعله المؤسسة التعليمية، إذا صادرت حق السؤال بالإجابة الجاهزة، وقد يكون البديل المتاح للتعليم التقليدي أخطر، فهو يصادر حق تشكيل الأسئلة بأن يحتكر المعلم صناعة السؤال، فهذا يتسبب في ضمور عضلة السؤال في أذهاننا، لنقبل السؤال المفترض لا الإجابة المفترضة فقط.

يجب أن نقدس السؤال بما هو سؤال، قبل أن نجد إجابة له، بل إننا نكاد لا نعترف بالإجابة، وما ينتج عن السؤال من أفكار فنحن نسميها نتائج السؤال، ونحتفظ بالسؤال حيا حتى بعد أن نتجاوزه لسؤال أبعد منه، نطلب من هذا السلوك المعرفي أن نحمل الشغف المتفجر من الأسئلة الكبرى عن معنى الحياة والوجود إلى الأسئلة الدقيقة المتفرعة منه، وأن نحفظ وعينا من أن يدور على نفسه، جاعلا الفرع أصلا للأصل، والأصل فرعا عن الفرع، أو أن يمر على ما يناقض “إجابة” استأنس بها عن سؤال أول في نتيجة سؤال يأتي بعده، مدركين أن النتائج يتكفل بها الوجود، أما الإسئلة فهي مهمة العقل، وما يميز العباقرة والمنورين أنهم يطرحون الأسئلة الصائبة.

إن أعظم مصاب معرفي أصاب أمتنا هو الخلل في المنهج، والذي يجمع الإجابات حسبُ غير محتفظ بالأسئلة، وإن صحت إجاباته، فهو حين ينقلها لجيل قادم يفسد عليهم منهج التفكير والبحث، وهذا ما يجب ألا نسمح به أن يحدث لنا، ولن نسمح لأنفسنا أن نقع فيه، يمنعنا من ذلك إيماننا أن القدسية الأعلى هي قدسية السؤال، وإدراكنا لعلو شأن السؤال، واعترافنا بكون الأسئلة تبقى قائمة، وحفظنا لحق السؤال للجميع.

وخلال مسيرتنا المعرفية ستتشكل شجرة الأسئلة أمامنا لننظر تفرعاتها وندرك خوارزميات السؤال، التي ستكون سلاحنا في مجابهة الجهل، دون أن يتمكن أحد من تصنيفنا وإراحة نفسه بإطلاق الأحكام علينا، فالذي يجابه الإجابة بالإجابة يدخل نفسه ومحاوره في جدال تطلب فيه الغلبة لا الحق، لكن من يسأل فهو معافى من ذلك، معفًى من الهزيمة، فإن كان يضمر هدم الجهل فهو ظافر بالنصر حتما، إذ هو ينتصر على الجهل عند أي طرف كان.

لنقم بطرح أسئلة في دوائرنا المغلقة، ولنرَ ما ينتج عنها من أفكار، فإن اطمأنت ضمائرنا لكوننا نملك ما ننقله للناس، ونجابه به جهلة سادوا على الناس بسبب جهلها، فإننا نعود لنحذق أسئلتنا، لاحنين حججنا أجود لحن، حتى إذا وجّهناها علنا لمؤسسة أو فرد ما، فإنه لا يكون للمسؤول بدٌّ من الاستغناء عن جهله، واتباع ما عرف قلبه من الحق، أو الانتصار لجهله بجواب مغالط واضح، فنقوم على توثيق جوابه ونقده وإظهار الخلل فيه وننشر للناس السؤال المحكم على طلب الحق والإجابة الواضحة مع نقدها، لبيان حسنها أو قبحها، وهكذا فنحن سنسير حاشدينَ طالبي الحق في صفِّنا، معبدين طريقنا بالجثث المعرفية للمغالطين.

نحن لا نخشى الحيرة ولا نخشى أن نوقع الناس فيها. ولا نزكّي أنفسنا على أحد، ولا نهدف إلا إلى الإطاحة بالجهل سواء كان جهلنا أم جهل غيرنا، شعارنا: سنسأل حتى يسقط الجهل.