الردَّة الحقيقية

ما سرّ استشراء داء الصهينة في موجة الملحدين الجدد؟!

استسهل كثير من العرب لمدة طويلة من الزمن، لم تنته حتى اليوم، استخدام الدين، وتوظيف الله، في سبيل القفز عن الحديث العميق، لتقبيح القبيح وتحسين الحسن، وهكذا فهم اكتفوا ويكتفون بإظهار حرمة تصرف ما دينيّا، فيريحهم هذا من الغوص في سراديب البحث عن المصلحة الجماعية، وعن سبب غير ديني مقنع لتجريم جرم ما، أو لتوجيب واجب ما، مما أدى لضمور عضلة المنطق الدنيوي في رؤوسهم، وتغوّل المنطق الديني عليه.


ومن نافلة القول أن نؤكد أن كثيرا مما يقبحونه دينيا من خلال التحريم، ليس قبيحا في أصله، وأن غول الحرام الذي طالما علفوه قلوب الشباب المتحرقين لنهضة أمتهم، كبر وصار عملاقا، وبات يهدد وجود الجميع، وهؤلاء الحريصون على إطعام هذا الغول قلوب وعقول بنيهم، من رجال الكهنوت الإسلامي، أو المسيحي، هم أول ضحايا حركات التكفير والردّة إلى الجاهلية التي نراها اليوم، فهم أوّل من يلعن المتطرفون، وأوّل من يوجهون إليه بنادقهم أو مفخخاتهم.
الذين يتلقون تربية دينية صارمة تقع في وعيهم في مكان أدنى من المنطق، يكبرون وخلال العواصف المعرفية التي يزخر بها عصرنا، قد يفقدون الرابطة الدينية، فيتحوّلون إلى الليبرالية الغربية لأنهم لا يعرفون غيرها، هم عرفوا الكون من خلال ثنائية الإسلام والغرب، وأدركوا خلال عيشهم في هذه البلاد، أن الإسلام المتصدّر اليوم، فكرة مغرقة في الفشل، وأصحابها عاجزون حتى عن رؤية فشلهم.
إسقاط الملحدين لمعتقداتهم السابقة، إذا يمتزج مع عقدة الخواجا المتفشية بين العرب، ينتج مسوخا فكرية عجيبة، ملحدين مناهضين للإسلام حصرا، لا يستفزّهم المتديّن اليهودي أو الغربي، لكنهم يشمئزون من الإسلام ومعتنقيه، وهم في الحقيقة يشمئزون من نفوسهم، إذ هم أبشع تجليات عقدة النقص الإسلامية أمام الغرب.
ولأن التطبيع مع الصهاينة كان في رؤوسهم قبيحا بسبب الدين فقط، فهم عندما يغادرون دياناتهم ويستسلمون لفكرة الإلحاد، يصاحب إلحادَهم جنونُ التطبيع وامتداح الكيان الصهيوني، الذي لا يتورّعون عن تسميته “دولة إسرائيل”، بل وينطلقون في الاستهزاء من حركات المقاومة لاسيّما ذات الصبغة الدينية، مع السخرية من الواقع العربي، يعيّرون قومهم بتخلّف هم جزء لا يتجزأ منه!
ما سبق كان لتقديم فهم نفساني واجتماعي لواقع راكبي موجة الإلحاد إلى التطبيع، وليس لتبرير موقفهم المخزي معرفيا ووطنيا، وأنا أتحدث عن موقفهم من الكيان الصهيوني هنا، وغير معنيّ بموقفهم من المعتقدات الإسلامية، رغم أن قصورهم المعرفي يمتدّ إلى صورة الإسلام في مخيالهم، بل وفهمهم للتاريخ العربي، وأمراض تدوينه وقراءته.
أما الخرافات التي يتداولها “الملحدون الأغرار” حول الكيان الصهيوني، وكونه “دولة ناجحة”، وقدوة يجب أن يتعلم منها العرب، بل وأن يستسلموا وينبطحوا أمامها، قابلين بها قدرا لا يمكن ردّه، قَبول رضًى لا قَبول عجز، فهي كثيرة ومتشعبة، سنتناول بعضها، آملين أن يتصدى أصحاب الأقلام الوطنية، لبعضها الآخر، بما يرضي العقل والمنطق، والحقّ!
أولا: خرافة دولة من لا شيء!
هذه أولى الخرافات، وهي تقول إن العبرانيين أقاموا دولة من لاشيء، وهذا غير صحيح، فالقصة تبدأ من قوانين الجغرافيا السياسية، ونضع أمامكم القانون الثالث (إذا وُجدت قوتان كبيرتان متوازنتان في إقليمٍ ما، أو في وعاءٍ ما، فإن الصراع بينهما لا بد أن ينفجر ولو تماثلت عقيدتيهما، حتى تنحل إحدى الدولتين، أو يستمر الصراع إلى ما لا نهاية.) أوروبا تمثل ثقلا جغرافيا سياسيا مقابلا للوطن العربي، ومن هنا كان عليهم أن يحافظوا على الوطن العربي ضعيفا ليظلوا أقوياء، وقد حاولوا غير مرة السيطرة على الطريق الرئيسة للشرق، متمثلة ببوابة فلسطين، فشنوا الحملة الاستعمارية تلو الأخرى، وبدأت فكرة الكيان الصهيوني عند اللورد هنري فسكاونت بالمرستون، إذ روّج لإقامة كيان يفصل شطري الوطن العربي، ويمنع أي محاولة للتوحيد القومي العربي، إثر إخماد ثورة محمد علي باشا الذي شكّل كابوسا أوروبيا من العيار الثقيل.
أي أن الكيان الصهيوني هو أول شيء تتفق في شأنه أوروبا الصناعية، وتضع كل ثقلها الدبلوماسي والسياسي والعسكري، لإنشائه، ولا تقف القصة هنا فالكيان الصهيوني يتلقى الدعم المتواصل من أوروبا وأمريكا التي تدعمه لسبب آخر وهو أنه الأداة الأمريكية المثالية للهيمنة على الوطن العربي، ولكي نفهم ذلك لابدّ أن نذكر بالقانون الثاني من قواني الجغرافيا السياسية (لا تستطيع أية دولة طرفية أن تقاوم تأثير جاذبية الدولة المركزية في الإقليم إلا بالتعاون مع قوة هيمنة خارجية، هي إما قوة إقليمية مجاورة أو قوة دولية مهيمنة خارج الإقليم.) وهذا يعني أن الكيان الصهيوني في الإقليم الذي يضم دولا محلية كبرى مثل مصر وسوريا والسعودية والعراق، لا يمكن أن يبقى إلا كجندي تحميه مصلحة أمريكا، ويحمي مصلحتها.
فإذا سلّمنا بالفرض الساقط القائل إن الكيان الصهيوني قصة نجاح، فهو قصة نجاح أوروبية أمريكية، وليست قصة نجاح يهودية أو عبرانية!
ثانيا: خرافة الدولة العلمانية المتحررة!
الكيان الصهيوني دولة دينية، الصراع فيها بين الدين والعلمانية صراع كبير، وهي نتجت عن تنازل الملحدين اليهود عن أفكارهم أمام ميلهم للانتماء القومي لهذه القومية الدينية المصطنعة، ونرى ذلك في إجابة غولدا مئير عن سؤال : هل “تؤمنين” بيهوا؟ قائلة: “الشعب اليهودي” “يؤمن” بيهوا، وأنا “أؤمن” “بالشعب اليهودي”.
يحصل فيها المتدينون اليهود على ميزات لا حصر لها، ويبتزون سائر المجتمع الصهيوني باستمرار، وهي في أساسها بالنسبة لليهود تقوم على “بشارة” دينية، خرافة تشبه خرافة المهدي في الإسلام، وما المظاهر العلمانية الديموقراطية إلا محافظة على استمرار الدعم الغربي لها، لأنها جندي غربي، حقير، لكن لا غنى للأطلنطيين عنه.
ثالثا: خرافة الدولة المتقدّمة علميا وتقنيا!
كل التطور العلمي والتقني الموجود في الكيان الصهيوني هو ملحق بالتطور الأمريكي الأطنلطي، وهي الشركات ذاتها، تفتح فروعا في الكيان الصهيوني، لتسنده لأنه يفشل، وفشله مستمر وهو يعيش على الإنعاش الأمريكي الأوروبي الدائم، لكن هذا لا يعني أنه لا يدار بحذق، نعم الإنفاق على البحث العلمي كبير، لكنه إنفاق في إطار الدولة الخادمة للشركات، أي أن كل ما لدى الصهاينة من تطوّر، هو في الحقيقة تمظهر لحقيقة أن الكيان الصهيوني هو رأس الحربة الغربي في خاصرة الوطن العربي.
رابعا: خرافة المنعة العسكرية الصهيونية!
الكيان الصهيوني كيان يقوم ضمن نطاق الساحل السوري، ولا يمتلك عمقا استراتيجيا عسكريا، أي أن قصفا مدفعيا وبالصواريخ الصغيرة، التي يطلقها الأفراد، من جهة الأردن مثلا يمكن أن يصل حتى شواطئ حيفا وعكا، والعكس فقصف من جهة الشاطئ سيذر الكيان الصهيوني قاعا صفصفا، لكن قوته العسكرية تكمن في ضعفنا أولا، وفي الاستقواء بالأمريكي، وفي عامل مهم وهو عسكرة المجتمع الصهيوني، فالمجتمع الصهيوني بالكامل مجتمع عسكري، ومن لا يدخل الجيش فهو عضو في المليشيات الدينية المسلحة، المتمثلة بالمستوطنين.
الاقتصاد الصهيوني المهلهل ليس استثناءً، ولا القضاء الصهيوني المطلي بمساحيق التجميل، ولا الفساد الإداري الصهيوني، وفي الحقيقة هم لا يتفوقون على العرب في شيء، سوى بما تمنحهم إياه قوانين الجغرافيا السياسية من كونهم موظفا لخدمة الإمبريالية، تحرص الإمبريالية على بقائه.
هذه أمثلة فقط وحديث مقتضب جدا في نقض هذه الخرافات، وأهيب بالمطلعين على الشؤون الاقتصادية والعسكرية والسياسية أكثر مني الكتابة في هذا الشأن، تحت ما يمكن تسميته “هشاشة الكيان الصهيوني”، الذي بقي همل الفلسطينيين يدخلون إلى مستوطناته لسرقتها، بشكل بدائي، حتى التسعينيات، بشكل يجعلك تتساءل “كيف لم نستطع طردهم حتى اليوم من أرضنا!!!” والمطلع على تفاصيل العمليات الفدائية يعرف كم العشوائية التي كانت تعاني منها، ورغم ذلك كانت تنجح في إلحاق الخسائر المادية والمعنوية بالكيان الصهيوني!
وفي هذا المقام، أقترح تربية الطفل على العلم، والانتماء لقومه، وعلى مكارم الأخلاق، والمروءة، لكي يبقى إنسانا مستقلا ولا يستخذي في أول هزة معرفية تصيب معتقداته، ولا بأس من التعليم الديني، شرط أن يقوم له رجل عارف بالتاريخ الإسلامي، ولا يبقى هراءً أجوفَ عن مثالية يتناقلها أهلنا، وهم لم يفتحوا كتابا دينيا غير (حصن المسلم) و(الدعاء المستجاب)، هكذا سيكبر الطفل وتتناوبه العواصف المعرفية والعقدية، لكنه سيبقى ثابتا في رفضه للكيان الصهيوني، ولن يسوّغ له مقامه في الغرب هربا بإلحاده من الإسلاميين، هذا الكم الهائل من المغالطات التاريخية والسياسية والاقتصادية، ليحمّل شريطا على يوتيوب يتغنى فيه كملحد بروعة خليط بشري لا يجمعه سوى “الديانة اليهودية”، وخرافة دينية أسوأ مما نفر منه من خرافات قومه!
أخيرا نقول للملحد الفذ الذي لا يظهر عليه ما يفترض أنه اكتسبه خلال رحلته المعرفية العرمرمية تصديقا وتكذيبا، من لياقة معرفية، تسمح له بنقاش ما هو أعمق من السطح قليلا:
فهمنا أنك كفرت بالله، ولكن لا يكفر بالحق إلا داعية الباطل! وفلسطين حق عربي خالد أكبر من المعتقد الذي غادرته، وأكبر من هراء تظنه فلسفة وفتوحا معرفية، هي ليست إلا شكلا جديدا من حب الظهور!