خرافات إسلامية 2

نسرد في هذه السلسلة مجموعة معتقدات خرافية، التصقت بالإسلام زورا، نحاول أن نفهم سبب وجودها، وننظر الأسباب التي تدعونا لرفضها، وهي ترد دون ترتيب محدد، واعذروا قسوة لغتي في تناولها، ولكنها محض حماقات يجب طردها من العقول لكي تعود عقولا.

هذا هو الجزء الثاني من المقال، راجع الأرشيف للجزء الأول.

6

“العين والحسد”
“إن العين لتلقي بالرجل إلى القبر وتلقي بالجمل إلى القدر”
“الحسد طاقة تخرب الأشياء”

كذب، لا علاقة له من قريب أو بعيد بالقرآن، كل ذكر القرآن له هو في آية “ومن شر حاسد إذا حسد” وسورة الفلق هي صلاة قديمة، سابقة على الإسلام، ينفي ابن مسعود أن تكون من القرآن أصلا، ولكن لو عددناها من القرآن وكذبنا روايات آخرى تقول إنها هي والفاتحة من الوحي السابق على بعثة محمد، لما كان فيها ما يدعو للتصديق بالحسد كما هو شائع.

الآية تنسب الشر للحاسد ولا تنسبه للحسد، فالحاسد إذا حسدك لا يضيرك، حتى يحدث شرّا، أن يحسدك على منزل فيحرقه، أو مال فيتلفه، أو صحة فيبعث فيها علة بسمّ أو طعام ملوث، والحسد في ذاته أمر سيء لأنه يورث الحاسد غمّا، وإذا فعل فعلا بسبب حسده، أورث المحسود فاقة أو علّة.

فإن كانت مروية “إن العين لحقّ” حديثا، ولا نراها كذلك، فهو يعني أن الإنسان يحسد وتطلب عينه ما عند غيره، لكنه لا يعني أن طاقة خزعبلية تنطلق من عينه لتصيب المحسود فتخربه أو تمرضه! ومثلها مروية “.. العين لتلقي بالرجل إلى القبر…. إلخ” ولكن الأخيرة فيها سجع بارد، بعيدة عن بلاغة العرب، ممجوجة السبك ضعيفته.

فلماذا وجدت هذه الخرافة وبقيت إلى الآن؟ أولا، هي دعوى للحذر من التباهي، والسرية في إدارة العمل، وهذه كلها من الأمور الجيدة. ثانيا، هي منفذ سهل لفهم الأمراض التي لم تكن مفهومة في أزمان سابقة. ثالثا، هي باب رزق للرقاة والمشعوذين، وهي من أعمال العاطلين المعلقين عطلهم عن العمل باستغالهم بعلوم الدين.

إذا قبلت خرافة كهذه فاعلم أنك تفتح بابا لكل كذاب ومشعوذ، وتشكك في عدل الله بأن يعطي أحدا قدرة فائقة على تكسير الأشياء عن بعد وكأنه سوبرمان! ويمنع غيره منها ويتركهم فريسة له! ثم يخطئ في صياغة الآية ويقولها بطريقة لا تعبّر عن المعنى الذي يريد، فهل الله عيّ لا يبين قولا!

ثم هل بيل غيتس بكل ثروته سلم من الحسد، وابنك الذي يشبه القرد ضربته عين! اتق الله في نفسك!

7

“السحر والشعوذة”
” فلان عملوا له عمل”
” سحر أسود، سحر أحمر، سحر أبيض”

ورد ذكر السحر في القرآن، نعم، ولكن يجب أن نفهم معنى الكلمة، فكل إدهاش سحر، ونقول عن المنظر الجميل أنه ساحر، وهذا ليس المجاز، المجاز هو فهمه على أنه أعمال شعوذة، ونفث في العقد، وما النفث في العقد سوى طقس قديم لقراءة الطالع، ينهى القرآن عنه، فيقول “ومن شرّ النفاثات في العقد”، وسورة الفلق كما أسلفنا لم تحظ بالإجماع على أنها من القرآن، لأنها من صلاة العرب القدماء، وحتى لو عددناها من القرآن، فالأمر كما في الحسد، الشر مسند إلى النفاثات في العقد، لا العمل السحري نفسه، وهو مرة أخرى لقراءة الطالع وليس للسحر.

وفي القرآن أيضا مجموعة آيات تتحدث عن ملكين، وهما كما قال عدد من المفسرين ليسوا من الملائكة كما يخيّل للقارئ، فهم في قراءة متواترة “ملِكين”، ولا يستقيم لا أن يكونوا من الملائكة ولا من الملوك، وإنما كلاهما مجاز لنفوذهما، ولأنهما كانوا يحكمون بين الناس، وماتوا وانتهوا وليسوا معلقين بين السماء والأرض يدخل الدخان في أدبارهم كما تقول الأسطورة، ويخرج من أفواههم.

وهنا ننبه القارئ إلى أن القرآن عطف “السحر” على “ما أنزل على الملكين”، فعلم هذين الرجلين “هاروت وماروت” ليس سحرا، لأن الشيء لا يعطف على نفسه، إلا أن يفارق القرآن الفصاحة، وحينها فهذا طعن في بيان الله كله.

هذا المكر الذي كان لهما، وكانا يقولان للناس إنه فتنة فلا تصدقوا أن ثمة طاقة غير روح الله، يضرب القرآن له مثلا في الشدة فيقول إنه “يفرق بين المرء وزجه”، وليس بالضرورة أن يكون قادرا على الحقيقة على فعل ذلك، ولو أن من المكر “ما تزول منه الجبال”.

خرافة الأعمال السحرية والحجب والرصد وسواها، خرافة وجدت لكي يسترزق بعض المشعوذين الذين وجدوا في الدين ملاذا من الكدّ والعمل المنتج، ولكي تعزى جرائم القتل التي تدور عند تقاسم اللقى الأثرية والدفائن الذهبية للجن، فلا يحقق أحد فيها لينتقم من القاتل، وبقيت كأمل للمصالحة وصفاء القلوب بعد المناكفات بين الناس والأزواج، كان ثمة عمل سحري، وأبطله الشيخ، وانتهى الأمر.

أما السحر فهو الاحتيال على الوعي، “سحروا أعين الناس” مما يقوم به الساحر في عروض السيرك، وقد قيل أن الرسول قال فيه “تعلموا السحر ولا تعملوا به”، أي اكشفوا حقيقة ألاعيب السحرة، ولا تتخذوا هذا النوع من العروض بابا للرزق.

التصديق بخرافة الحجب والرصد والأعمال السحرية، يجعل الله غير محكم خلقه، ويسلّم بوجود قوى خفية تدير العالم، إلى جانب الله، وبالتالي فهي حسب الأدبيات الإسلامية شرك، وطعن في قدرة الله. فما هذا الأمر الجلل الذي تبطله شعوذات يطلقها فلان وفلان. كفوا عن الهبل.

8

“عدّاد الحسنات وعدّاد السيئات”
“رقيب هو ملك جالس على كتفك الأيمن، وعتيد هو ملك آخر جالس على كتفك الأيسر”

أي خرافة حمقاء هذه، يظن المصدق بها أنه ثمة عدّاد للحسنات، وعدّاد للسيئات، وأن الله يوم القيامة يمسك بقبّان حقيقي ذي كفتين، ليرى إن رجحت السيئات أم الحسنات، صورة معيبة للدين والله وعمل الخير.

الحسنات هي الصفات الحسنة، والسيئات هي الصفات السيئة، كأن أقول: من حسناتي أنني صادق، ومن سيئاتي أنني وقح. وأعمالك الصالحة من حسناتك أيضا، وأعمالك السيئة، فالصفة حقيقية ما اقترنت بعمل، وإلا فهي وهم، وموازينك التي ترجح عند الله أو تخسر، هي صفاتك الظاهرة في عملك، والله لا يقيسها بقبان وعدّادات بل بعلمه فيك، هكذا يقول القرآن، ويستخدم المجاز ليبيّن لنا.

أما الرقيب والعتيد فهما كلمتان وردتا لوصف شيء واحد، وهو علم الله، فهو رقيب عتيد، وإلا لزم أن يضع واوا أو حرف عطف بين الاسمين، فإن بقيت مصدقا بهذه الخرافة فأنت تتهم القرآن في فصاحته، فلماذا يورد عتيد نعتا لرقيب إذا كانا ملكين اثنين!

وكل مرويات “ألف حسنة” و”ألف ألف حسنة” هي أحاديث موضوعة بعلة في متنها، وهي عظيم الجزاء على حقير العمل، فالله ليس مارد المصباح، الذي تقول له كلمات بترتيب محدد ليجزل لك العطاء!

فلماذا نسبح إذًا؟ لأن ترديد الكلمات طريق لترويض النفس على الصفات الحسنة. وخرافة العدّاد هذه تشكك في عدل الله، إذ تجعله يضع سيئات المؤمنين على النصارى واليهود، فأي ربّ ظالم تزعمون الله!

9

“عذاب القبر، ونعيمه”
“حياة البرزخ”
“ناكر ونكير، أو أنكر ومنكر، أو أي تشكيلة من هذه الأسماء”

المصدق بهذه الخرافة، في أكثر صورها عقلانيةً، يعتقد بأنه ثمة حياة في عالم اسمه عالم البرزخ، وأن هذه الحياة فيها عذاب ونعيم، وهذه الحياة مرة تنسب للأجساد ومرة للأرواح، ومع أن الأرواح فارقت الأجساد، كما يقول التصور عن الروح والجسد، إلّا أنها تكون في القبر معها! فياللعجب!

البرزخ لغة ليس شيئا قائما بذاته، وقد ورد أنه بين البحرين، فهل إذا أدخلنا صندوقا فارغا في منطقة التقاء الماء، سنجد شيئا نسميه البرزخ! بالطبع لا، فهو عدم اختلاطهما فقط، وليس شيئا قائما بذاته.

وفي الإسلام لا حياة بعد الموت سوى حياة الآخرة، ولا عذاب سوى عذابها، ولا نعيم سوى نعيمها، أما كلمة عذاب القبر، فهي كعذاب الموت، وكعذاب الجحيم، وعذاب النار، كلها أسماء للشيء ذاته.

لكن الوعاظ يترزقون من كثرة الكلام، فهم يريدون موضوعا يستطيعون الزيادة فيه، فأي وصف سيزيدون على النار والجحيم، إلا أن يخترعوا شيئا مثل هذا تدور حوله القصص الخرافية التي يتداولون.

والآية التي يتكئون عليها، “النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب” فهو عرض مجازي، أي تلويح لهم بالعذاب غير الواقع، وتهديد لهم به، وهذا في حياتهم، لأنهم لا يدخلون العذاب إلا يوم القيامة حسب القرآن، في الآية ذاتها.

ومن المأثور “الميت قامت قيامته” يعني أنه يخرج من الزمن كله إلى زمن آخر، فيتساوى الشهيد والمجرم كلهم في أنهم الآن في زمن القيامة يروننا بعد أن متنا مع أننا لم نمت بعد، إطار زمني مختلف تماما.

المصدق بهذه الخرافة يطعن في عدل الله، بل وفي قدرته على الحساب، فـ”قابيل” يعذب منذ مات، والذي يموت قبيل الساعة بقليل، يختصر سنوات من العذاب، بل قرونا، وألوف السنين! فأي ربّ قليل العدل ولا يتقن الحساب يزعمون الله! ثم كيف يعذب قبل أن يحاسب! أليس إلها متلهفا للعذاب!

10

“علامات الساعة”
“لا تقوم الساعة حتى ….”
“أحداث آخر الزمان”

كذب، لم يقله الله، ولا يقوله عاقل، لا سيما إذا قال ما ينفيه ويتناقض مع وجوده، فالساعة تأتي بغتة، فكيف يكون لها علامات قبل أن تأتي!

فكرة أشراط الساعة وعلاماتها، تتكئ على آية لو فهمها الناس فلن يصدقوا بالعلامات المكذوبة بعد ذلك أبدا، وهي “فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها”، ومعناها أن الساعة قد تكون في اليوم التالي لنزول هذه الآية إذ أن أشراطها كلها اكتملت!

ثم إن هذه الأحاديث التي تقول بأحداث قبيل الساعة، هي علامات لها، تتصادم مع القرآن بصورة صريحة، فالقرآن ينفي أن الساعة في علم أحد سوى الله وحده “علمها عند ربي، لا يجليها لوقتها إلا هو”، بل ويسخر ممن يسأل الرسول عن الساعة فيقول للرسول “يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله”، لاحظ معي أن إنما هذه بمعنى الحصر، فلا أحد يعلم ميعادها.

فإذا كانت قد تكون في أي يوم، منذ نزول الآية التي تلوح بالساعة تلويحا، وتقول إنها ربما تقوم على مشركي قريش، وكانت أشراط الساعة كلها جاءت كما يقول القرآن، وكان الرسول لا يعلم عن ميعادها شيئا، ولا تأتي إلا بغتة، فمن أين جاءوا بكل هذا الهذر حول علاماتها؟

هذه الخرافة وجدت وانتشرت من أجل أهداف سياسية، فنرى أنها انتشرت قبيل كل انقلاب في تاريخ المسلمين، حتى آخر الأحداث المفصلية التي عاينها جيل الثمانينيات من مثل أحاديث الترويج لدخول العراق عسكريا على الكويت، وكلها ليس لها أي درجة من الصحة، ومن صحح الحديث يستطيع أن يعود فيكذبه إذا تمخضت الأحداث عن شيء آخر.

مع الثورة التقنية، بدأ تلفيق هذه الأحاديث يقل، لكنها ما تزال تستغل، لأن الألفاظ دائما غامضة، كما تنبؤات نوستراداموس، وما زال يحلو للناس أن يشعروا أن ما يحدث لهم قضاء من الله، وهم لا يلامون على المصائب التي حدثت في عصرهم، وهذا سبب بقائها.

تصديقك بهذه الخرافة، يجعل الله جاهلا بما يعلمه الرسول، من معلومات عن الساعة لم يقلها له، وصرح إنه لا يعرفها، ولا تهمه، ويجعل دار النشر التي أصدرت نسخة من كتاب الحديث أعلم من الله، ومصدقة أكثر منه، بل ويجعل الحياة كلها بائسة، فالناس مهما فعلوا ستكون النتيجة نفسها، التي تعلمها دور النشر والمحققون للأحاديث وحتى الرسول!

وما دامت النتيجة هي هي، حسب هذه الخرافة، ففيم يأمرنا الله بالعمل؟ نعمل ونحن نعرف ألا نتيجة ترجى! أليس هذا أمرا بالعبث! فهل يأمر ربكم بالعبث!